• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

فيلم «بركان» للكاتب - المخرج الغواتيمالي جايرو بوستامنتي

الحلم في مواجهة خيبات الأمل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

نجوم الغانم

الفيلم المصاغ بحس فني عال، يأخذنا بلطف وهدوء إلى واحدة من أقدم ثقافات العالم المنتمية إلى حضارة المايا العظيمة، بطقوسها الروحانية وأساطيرها ومعتقداتها التي تدور حول علاقة الإنسان بالطبيعة والكائنات الأخرى والكون الغامض. الفارق أن هذا يحدث اليوم في أكثر الأزمنة تقدماً من الناحية العلمية والتقنية والعمرانية، وهو يحمل رسالة ضمنية مؤسفة عن حال الإنسان الغواتيمالي الذي ينتمي إلى شعب المايا، خاصة الذي أصبح يعيش على هامش الهامش، في عزلة تجعله يبدو ساذجاً وعرضة للاستغلال بسبب بساطته وعدم حصوله على التعليم، والأكثر أسفاً أنك حين تشاهد هذا الإنسان تحضر بشدة حقيقة أنه ينتمي إلى ثقافة عريقة لطالما نظر إليها العالم بالكثير من الإجلال؛ لأنها تعتبر واحدة من أهم ثماني حضارات في العالم والتي يُقدر تاريخها بحوالي ثلاثة آلاف، إذ وصل تطور مدنها إلى أعلى مستوياته قبل وصول الإسبان إلى أميركا الوسطى، وهي الحضارة الوحيدة التي عرفت تطور اللغات الكتابية على مستوى الأميركتين إلى جانب تطور أنظمة الرياضيات والفلك وكذلك الهندسة المعمارية والفن.

بهاء عرائسي

يفتتح الكاتب/‏‏ المخرج بوستامنتي فيلمه بتجهيز العروس ماريا الجميلة ولكن الحزينة في آن، الألوان الزاهية للملابس التقليدية الرائعة التي تلف جسد ماريا في هذه المقدمة من الفيلم هي أحد الملامح القليلة المتبقية من بهاء وجمال تلك الحضارة المختبئة تحت الصخور الحادة والمائلة إلى السواد والتي تحتضن تحتها قرقعة البركان النشط الذي نشعر بوجوده طيلة الفيلم في خلفية المشاهد الطويلة وفي أصوات حمحمة النيران القادمة من جوف الأرض، وبين جنبات تلك الصخور الكبيرة تقع مزارع البن التي يعمل فيها جميع سكان هذه المنطقة المعزولة، إنهم يشكلون أفراد المجتمع الفقير المتبقي من سلالات غابت ولكنهم قد أصبحوا ضحايا الحضارة الجديدة التي لا نراها أبداً ولكن نشعر بتأثيراتها عليهم. فالشبان يعملون طيلة النهار ولكنهم في الليل ينفقون كل نقودهم على الكحول الذي لا يكفيهم لكي ينطفئوا فيستدينوا المزيد من المال الذي لا يستطيعون تسديده، وهكذا تكبر فاتورتهم مع مرور الأيام كما تزداد حاجتهم للانطفاء حتى ينسوا دينهم وأمانيهم في التحرر من هذا المكان بالهرب إلى المدينة الحلم التي تتسلل أنباؤها إليهم مع قوارير الكحول ورشفاته.

البيئة الجبلية القاسية بقتامتها لا تمنح فرصة للإحساس بمزارع القهوة المنتشرة على جانبيها ولكنها تبرز نوعية السكان الذين يعملون بصمت، متواضعين وبسطاء وضحايا للجهل والأحلام المستحيلة، عائلة ماريا واحدة من هذا المجتمع وهي مكونة من الأب والأم وماريا، وهم جميعاً يعملون في قطف البن وفي الأعمال المنزلية اليومية المختلفة والشاقة أحيانا، ونتيجة لرغبة المدير المشرف على مزارع البن في الزواج من ماريا فإنه يمنح والدها عمل الإشراف على العمال وسكناً أفضل من بقية العاملين، وهكذا يتم الاتفاق عائلياً على تزويج ماريا منه، غير أن ماريا ذات السبعة عشر عاماً تكتشف أنوثتها حين تُعجب بأحد الشبان العاملين معهم في مزارع البن وتبني أحلامها من خلال الإصغاء لحلمه باختراق الحدود والهرب إلى العالم الآخر المتمثل في أمريكا، وشيئاً فشيئا نراها تقع ضحية أكاذيبه واستغلاله، فهو يطلب منها أن تمنحه نفسها إذا كانت تريد الرحيل معه وبعد أن تفعل يقول لها إن عليها أن تستمر في التعامل معه بلطف إن أرادت أن يأخذها معه وفي نهاية الأمر يهرب تاركاً إياها في مواجهة مشكلة الحمل في سن مبكرة.

ستحاول الهرب ولكن سيشاهدها المدير على الطريق العام أثناء عودته من المدينة وسيعيدها إلى بيتها ولكن بعد أن يكون قد دب الشك في نفسه، مع هذا سيحتفظ بصبر الخبثاء الذين اعتادوا على المساومات والتعامل مع الظروف المتغيرة فهو الوحيد الذي له اتصال مباشر مع العالم الخارجي وهو يعرف لغة أهل المدينة وتجارها ومدرك في الوقت ذاته لقيمة ماريا كامرأة جميلة وقوية وقادرة على تحمل مسؤوليات البيت لأن والدتها قد أنشأتها على ذلك.

عندما تعرف والدتها بالأمر تحاول مساعدتها على التخلص من الجنين بالطرق التقليدية وحين تفشل تقول لها إنها روح الجنين التي ترغب في الحياة بشدة، هذه المشاهد المتعلقة بالأجنة والأرواح يتم تصويرها في حضن الجبال الداكنة وعلى حواف صخورها الحادة حيث تدفع الأم بماريا للقفز فوق الصخور بعد أن لا يجدي شرب الأدوية العشبية في زحزحة جنينها من مكانه، نراهما معاً، الأم والابنة تتقاسمان الأسرار ووقع المصائب على كاهلهما في الخلاء وحيدتين في مواجهة الطبيعة الصخرية الحادة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف