• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

رؤية .. ورؤيا

تجربة الخط والورق اللطيف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أغسطس 2015

قاسم حداد

1

ثمة تجربة جديرة بالالتفات، سوف يجد فيها الكاتب العربي، استدراكاً جميلاً للتهميش القاسي للكتابة اليدوية بالقلم والورق، بعد سنوات العمل على الكمبيوتر، فنحن جيل من العرب تربى على ممارسة إنسانية وتقنية تكاد تتداخل فيها مسألة اللغة والكتابة والخط بقدسية تكاد توازي القدسية الدينية.

في لحظة ما، سوف يجابه فيها الكاتب الذي انهمك معتاداً على الكتابة على الكمبيوتر، سوف يجابه الإحساس بأنه ربما يكون قد بالغ في التفريط بمتعة وجماليات الخط بالقلم والورق. وسوف ينتابه الشعور نفسه الذي انتابني وأنا أكتب كتاب طرفة بن الورد، الشعور بخسارة فادحة لا يتوجب الاستهانة بها، ففي العربية، يظل النص ممتزجاً بتجربة الكتابة اليدوية، من حيث المتعة والدلالة.

2

أذكر أنني ما إن بدأتُ في إطلاق القلم في مسودة الكتاب الأخير، بحبره السيّال، على الورق المصنّع يدوياً، بسطوحه الطرية المحببة، حتى شعرت بأن أرضاً يانعة تفتح سماواتها أمامي، منذ اللحظة الأولى حضرت في حواسي كل سنوات العشق القديم للورق والأقلام وألوان غامضة المصادر والمذاهب. وحضرتْ أمامي المخطوطات القديمة التي صادفتها في مكتبات ومتاحف العالم وبهرتني البروق الساطعة في سواد حبرها العتيق، ورحت، يوماً بعد يوم، أبسط أنواع الورق المختلفة العجائن بأقطانها الناعمة وطحينها الدقيق، وأدفق فوقها الحبر الأسود، فتتوهج الحروف والكلمات منبثقة في اندياحات مختلفة الحيوية والسلاسة والتهدج والتعرجات، حيث إن كل نوع من هذا الورق سيكون أرضاً مختلفةً بتضاريس حية طازجة متغيرة، تتفاوت فيه النعومة والخشونة فيؤثر ذلك في حركة الريشة وانسيال الحبر ومنعرجاته، الأمر الذي سيجعل الخطّ غيره في كل مرة، حتى ليبدو لك أن صاحب الخطّ في كل دفتر وفي كل ورقة هو شخصٌ آخر في كل مرة، وهذا بالضبط ما سيحلو لي، ويدفعني أكثر لتغيير الورق والكراسات في كل نص، تلك هي اللذة المدهشة التي لن يعرفها الذين يهجرون الكتابة بالقلم، ويتأخرون عن ملامسة الورق المصنع بأقلامهم وأحبارهم وكلماتهم وحروفهم المتعبة ليصيبها الانتعاش. فالخطّ والكتابة ضربٌ من إنعاش الولع بالتدله.

3 ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف