• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

اكسترا ميديا

متى يتوقف الإفلات من العقاب؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 يناير 2014

د.الياس البراج

تكثر في عالمنا العربي حالات غياب المحاسبة. وتكاد تكون يومية وتتعلق بقضايا «صغيرة» ومتوسطة وكبيرة ومصيرية على السواء، بدءاً بالمخالفات السلوكية في الشوارع وشبكة المرور، ومروراً بتضخّم المخالفات الإدارية، والغش في المقاولات العامة وعرقلة وتأخير مصالح الدولة والناس، ووصولاً إلى المخالفات الجسيمة التي تعطل أو «تنكّد» حياة أوطان وشعوب لسنوات وربما لعقود، أو الجرائم الجماعية التي يذهب ضحيتها آلاف مؤلفة من المواطنين المدنيين.

مثلاً تتعذر محاسبة المسؤولين عن سقوط آلاف الضحايا، ومحاسبة من يقدمون الحماية لمطلوبين للعدالة الدولية، ومحاسبة من يتلاعبون بمصير شعب وبلد كامل أو حتى يؤخرون ويعرقلون تشكيل حكومة قرابة عام كامل، وكثيرون منهم عليهم ما عليهم من ارتكابات جرائم مر عليها الزمن ولكن لم ينسها التاريخ بعد.

كثيرون يتحملون مسؤولية غياب المحاسبة والذنوب المترتبة عليها، ليس فقط في القضاء، والمؤسسات الرقابية، والجماعات الحقوقية المدافعة عن حقوق الأفراد والجماعات، بل أيضاً في الإعلام، وكل المؤثرين في الرأي العام (بمن فيهم الخطباء)، وكل العاملين في الشأن العام.

ولعل أسوأ ما في غياب المحاسبة هذا هو تعذر تحديد المسؤولية التامة (أو الموصوفة إن جاز التعبير)، هذا الغياب قد يراه البعض عذراً مخففاً لهم، ومدعاة لتعذر انخراطهم في الضغط والتمهيد لعملية المحاسبة وتطبيقها. إلاّ أنه يؤدي في واقع الأمر، ليس فقط إلى إفلات المخالفين، أو المرتكبين أو المجرمين من العقاب، بل يشجعهم على المزيد، ويشجع الآخرين، كل الآخرين، على السير في هذا الطريق من الفساد والإجرام وإساءة الأمانة وخيانة المسؤولية.

والمفارقة أن مثل هذه الظواهر تزدهر جداً، في وقت تزدحم مجتمعاتنا - إلى حد المعاناة- بطفرة من مدعّي نشر الأخلاق والحرص على الحق والعدل والدعوة للإصلاح، من مختلف العقائد والميول الفكرية.

هذه الطفرة، التي قد لا يكون لها مثيل في العالم، فيما مجتمعاتنا تغرق بظواهر المخالفات والفساد والإجرام والإفلات من العقاب، لا تترك للعقل السوي غير احتمالات تفسير قليلة. فإما أن هناك نفاقاً حاد الذكاء يستطيع التوفيق بين هذه المتناقضات، وإمّا أن هناك فجوة حقيقية عميقة لم تساعد بعد على إنضاج وتحويل النوايا إلى وقائع.

وفي الحالتين الخطر واحد، المزيد من الإجرام أو الفساد أو ثقافة ارتكاب المخالفات.

والحل واحد: وقف الإفلات من العقاب أملاً بتهذيب أخلاق الجميع، بمن في ذلك المجرمون والفاسدون، وذلك يقتضي استعجال آليات محاسبة جديدة وفعالة، شاملة جميع المستويات، التشريعية والقضائية والدينية (الدعوية) والإعلامية والتربوية.. الخ.. فإن لم يحن الوقت بعد لتعميم مناهج وسياسات وممارسات المحاسبة وتطبيق العقاب، فمتى يحين ذلك؟ هل بعد أن تعم الفوضى والفساد كل جوانب حياتنا؟

barragdr@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا