• الأحد 06 شعبان 1439هـ - 22 أبريل 2018م

العداء للمهاجرين.. تاريخ أميركي لا يتكرر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 ديسمبر 2017

نوح سميث*

موجة العداء للمهاجرين التي عززت حملة دونالد ترامب الرئاسية لها أمثلة تاريخية غريبة. ففي عام 1955 ألف المؤرخ جون هايام كتاباً بعنوان «الغرباء في الأرض: نماذج من العداء للمهاجرين،( 1860-1925). وحركات تقييد الهجرة وأفكارها ومساعيها التشريعية التي رصدها كتاب «هايام» حملت تشابهاً واضحاً لما يظهر منها في الوقت الحالي. لكن هناك أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن هذه المرة مختلفة لأن التغيرات الاقتصادية والثقافية تجعل من غير المرجح أن تمضي الولايات المتحدة على طريق عزلة سلكته من قبل في بداية القرن العشرين. ورصد كتاب «غرباء في الأرض» ثلاثة أنواع متمايزة من العداء الأميركي للمهاجرين.

النوع الأول: العداء للكاثوليك وهو ما توارى بعد انكماش هجرة الأيرلنديين. لكن تيارات الرعب بشأن طابور خامس من الكاثوليك حمل شبهاً مثيراً للدهشة للمخاوف من الإسلام. والنوع الثاني: المناهضة للراديكالية وخاصة العداء المبكر للشيوعية. والنوع الثالث: وهذا النوع هيمن في عشرينيات القرن الماضي وهو العداء العرقي للمهاجرين أو الاعتقاد بأن الأشخاص من شمال وغرب أوروبا أرقى من الآخرين وأن الولايات المتحدة ستنهار إذا لم يظلوا أغلبية. وهذا الشعور هو ما أدى في نهاية المطاف إلى قانون جونسون-ريد لعام 1924 الذي قيد بشدة الهجرة ووضع حصصاً تضمن أن يكون معظم المهاجرين من بلاد تحظى بتفضيل عرقي.

والجدير بالذكر أن «جيف سيشنز» وزير العدل في إدارة ترامب، أشاد في الآونة الأخيرة بقانون عام 1924. كما أن فكرة منع تغيير التركيبة العرقية السكانية، جوهرية لدى نشطاء اليمين المتطرف الذين في طليعة الداعين إلى تقييد الهجرة. وفي وقت مبكر من القرن العشرين، دفعت حالة الرعب بشأن تغيير التركيبة السكانية إلى مطالبة الولايات المتحدة بغلق أبوابها. ويكرر التاريخ نفسه فيما يبدو. لكن الأمور قد لا تمضي على النحو الذي سلكته قبل 100 عام. ففي العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين كانت الضغوط العامة من أجل تقييد الهجرة شديدة، لكن هذه الضغوط لا يؤيدها الآن إلا أقلية تتقلص من الأميركيين. فقد أشار استطلاع رأي لمركز جالوب إلى أن الدعم لتقليص الهجرة تراجع في العقد الماضي. وانتخاب ترامب لم يخلق تشدداً عاماً في التوجهات ضد المهاجرين كما حدث في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين. والواقع أن الأميركيين من كل الأطياف السياسية يتبنون في عام 2017 مواقف أكثر إيجابية تجاه المهاجرين عما كانوا عليه في السنوات السابقة بحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة إن. بي. سي. وأصبح الأميركيون أقل تشدداً حتى تجاه المهاجرين غير الشرعيين. فقد أشار استطلاع للرأي أجرته شبكة تلفزيون فوكس إلى أن عام 2017 شهد زيادة في تأييد فكرة إعطاء المهاجرين غير الشرعيين طريقاً يحصلون عبره على الجنسية وليس ترحيلهم.

فما الذي يجعل الأميركيين يؤيدون الهجرة بهذا الشكل حتى في عصر ترامب؟ أحد الأسباب المحتملة، قد يكون أنهم أصبحوا أكثر ألفة مع التنوع عما كان عليه أسلافهم. وأظهر استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» أن الأميركيين يعبرون بالتأكيد عن تحفظات تجاه التنوع أقل من تلك تبديها شعوب أوروبا. والسبب الثاني قد يكون أن بعض وليس كل التغييرات التي كان يريدها أنصار تقييد الهجرة قد تحققت بالفعل دون حاجة إلى تشريع جديد. فقد توقفت الهجرة غير المشروعة التي كانت السبب الرئيسي في إثارة غضب دعاة تقييد الهجرة. كما انحسر تدفق المهاجرين أصحاب المهارات المتدنية وأصبح القوام الأساسي للمهاجرين أشخاصاً متعلمين من شرق وجنوب آسيا. والسبب الثالث هو أن الاقتصاد في عام 2017 مختلف ببساطة كثيراً عما كان عليه عام 1917. ففي أيام التصنيع السريع، كان المهاجرون يقدمون في الأساس مصدراً للعمالة الرخيصة في المصانع والمناجم. وكانت نقابات العمال تخشى من أن يتسبب المهاجرون في خفض الأجور، كما كان أصحاب الأعمال يخشون من عمال أجانب يحملون أفكاراً متشددة مناهضة للرأسمالية. وكان هذا يعني أن كلا جانبي التقسيم الطبقي يميلون إلى تشريعات عام 1924. لكن الاقتصاد الأميركي انتقل من اقتصاد التصنيع الذي يعتمد على العمالة الرخيصة إلى اقتصاد يعتمد على المعرفة والابتكار. ولو كان المهاجرون قد هددوا يوماً الوظائف والأجور للمولودين في البلاد، فهم لا يهددونهم الآن على الأرجح. وهناك أدلة كثيرة على أن عمال المعرفة يكملون بعضهم البعض، ولذا يدعم الأجانب مرتفعو المهارات أجور العمال المولودين في البلاد من منخفضي ومرتفعي المهارات على السواء.

وبعبارة أخرى، فإن سن قوانين ولوائح جديدة ضد الهجرة سيضر مباشرة بالقيادة الاقتصادية الأميركية. وبدلاً من تعزيز الدخول للمولودين داخل البلاد، فإنها ستقلص الدخول بإضعاف الهيمنة الأميركية على صناعات الابتكار. ولذا هناك فرصة جيدة بألا يكرر التاريخ نفسه. وسيثبت العقدان الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين أنهما ليسا ترديداً لحالة الخوف من الأجانب التي استبدت بالبلاد قبل 100 عام. وحتى لو نجح ترامب في سن بعض الإجراءات لعرقلة المهاجرين فمن المرجح أن تمارس جماعات الجمهور وأصحاب الأعمال ضغوطاً على خليفة ترامب لإسقاط هذه القوانين.

*أستاذ مساعد سابق للتمويل في جامعة ستوني بروك

ينشر بترتيب خاص مع خدمة«واشنطن بوست وبلومبيرج ونيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا