• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

قصة للكاتب البوسني ميلينكو جيرغوفيتش

الرجل الأعمى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 ديسمبر 2017

مازن معروف

ينقسم النقاد حول أعمال الكاتب البوسني ميلينكو جيرغوفيتش (1966) الذي اختار منذ عام 1993 الإقامة في زغرب. فهو إلى جانب السمعة التي يتحلى بها في الولايات المتحدة كأبرز وجوه القصة القصيرة المعاصرة اليوم، يعتبره البعض، خاصة في أعماله الأخيرة، «عشوائياً» في صياغة أحداث قصصه والمقاربة بين الشخصيات وتلاحمها مع بعضها. كتابه القصصي الأول «ساراييفو مارلبورو» والذي استطلع فيه مناخات سراييفو خلال سنوات الحرب في النصف الأول من تسعينيات القرن المنصرم، كان بمثابة المنصة التي أطلقت اسمه عالياً في أروقة الأدب العالمي. جيرغوفيتش لا يساوم عندما يتعلق الأمر بالعلاقة بين السياسة والأدب. ويمكن أن يسمح لنفسه بأن ينتقد الجميع بشكل متساو. في قصصه نقرأ هذه الملامح النقدية والتي تسبر غور شخصيات مضطربة، تحمل أحزانها وأزماتها النفسية معها عندما تقرر الرحيل، وفوق ذلك، تعيش نزيلة ذاكرتها التي تبدَّلتْ وسلوكها العنيف والمُنفّر الذي استجد بسبب الحرب. يعتمد في صياغة قصصه على الموروث التاريخي حيناً، والواقع حيناً آخر، ولا يتردد في المزج بين الأسلوب السردي التقليدي والحديث. ما يهمه هو أن يكتب قصة جيدة، بغض النظر عن توهج الشخصيات فيها أو خفوتها. قد لا يولي أية شخصية منها اهتماماً خاصاً. فجميعها ذائب، ذوبان تلك الجذور الألمانية في تكوينه الجيني، التي أيضاً لا تمثل له إشكالية أو سؤالاً معقداً. رغم أنه يقف أحياناً عند هذا التباين بين الهوية القومية التي تفرضها عليه الأجيال السابقة وجيل الحرب، وبين كونه ببساطة فرداً أو شخصاً ينهل من كل الأماكن والأحداث، ويستطيع أن يكتب طيفاً ملوناً من الحكايات. فالجميع يجوز أن يكون ضحية. لكن أهمية جيرغوفيتش أنه يستطيع الانسحاب تحت طبقة النوستالجيا والذاكرة الجماعية الحساسة للأفراد، وأن يصيغ لغة ماكرة، ساخرة، وتلمع بمرارتها. بهذا المعنى فإنه لا يساير في كتاباته أحداً. كما لا يمنح أفضلية لجهة قومية على أخرى. والأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها في مدن مثل سراييفو لم تتعاف بعد من آثار الحرب، ولا تزال تنتظر الإذن الأوروبي للدخول في عالم الشنغن. إنه بذلك كاتب ينتمي إلى بيئة أوروبية مستبعدة، ما يساعد في تعزيز السؤال التقليدي حول الهوية والانتماء وتعقيداتهما. تعقيدات إثنية نحدس ونحن نقرأ قصصه (كمجموعته «ساراييفو مارلبورو» التي أخذنا منها قصة «الرجل الأعمى»)، كما لو أن ميلينكو جيرغوفيتش يحاول زعزعتها ورمي تأثيرها المشوّش والسالب خارج

الأدب.

بدأ الشجار جدياً عندما ظهر زوران حاملاً ميزانا استعاره من الجوار. وضع وزوجته الأداة هذه في منتصف طاولة غرفة السفرة. الطاولة في نهاية كل طرف منها كان ثمة كرسي – واحد من أجل ديانا، وآخر للصبي – وفي زاوية الغرفة كان هناك كومة هائلة مكدسة تحوي أشياء مختلفة: قمصان، كنزات، أحذية، حقائب، كتب، أشرطة كاسيت، تماثيل، أكياس نوم، خوذة هوكي، واكمان، قبعة بايسبول، كرة قدم مثقوبة، كتاب مصور حول ورش الحدادة في «زِنيكا»، شنطة ماكياج، معاطف، سترة تزلج، مشعل، مايكروفون، ساعتا منبه، سكاكين عسكرية، مجلات كوميدية، علبة في داخلها صور العائلة، أمشاط، نظارات شمسية، مناشف (للبحر كما أخرى للحمام)، صندوق جواهر خشبي، نموذج أحمر لسيارة فيراري، سبعة جنود ألعاب، حقيبة يد فيها مستندات...

هناك ورقة كبيرة وقلم رصاص مقابل ديانا. الصبي الذي يشعر كما لو أنه جالس في امتحان في مادة الرياضيات، يبرّد يديه المتعرقتين بالقشرة الخشبية للطاولة. أما زوران فيضبط الميزان.

يبدأ زوران «ديانا، دوِّني: كنزة سميكة نسائية – نصف كيلو. كتابا، سجلات بلدة ترافنيك، و«رحلة آليا دجيرزيليز»* أيضاً نصف كيلو، معطفاً رجالياً – خمسة كيلوجرامات، قاموساً إنكليزياً – ثلاثة كيلوجرامات ونصف، سبع سترات للأطفال – مئتين وخمسين جراماً».

بعد ثلاث ساعات، ينتهي زوران من توزين الأغراض. الصبي يظل جالساً في كرسيه بلا حركة فيما ديانا تقوم بحساب مجموع الأوزان. تضع القلم على الورقة، وتظل صامتة بضع ثوان، ثم تتنهد، «مئة وسبعة عشر كيلوجراماً ومئتان وخمسون جراماً». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا