• الأربعاء 09 شعبان 1439هـ - 25 أبريل 2018م

هل على النِّسويَّة أن تكون قاسية في تمرِّدها؟

نساء «غريندايزر»..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 ديسمبر 2017

د. هند السليمان

لا يبحث السؤال هنا، في تعريف النّسويّة، بل ينحصر في محاولة للتعرف على المواصفات والاشتراطات التي بحضورها تُعد المرأة نسويّة، بافتراض أن ثمة مواصفات محددة. فكثيراً ما نُصادف تساؤلات استنكارية على شاكلة: «نسويّة وتفعلين أو تقولين هذا؟» وكأن للنسويّة كتالوجاً يعرّف بما يجب وما يجب ألا يُفعل ويُقال. وفوق هذا، فالتصنيف المعياري «للشخصية النّسويّة» لا يشمل المعاصرين فقط، بل يمتد لشخصيات تاريخية، للتعرف على أي من تلك الشخصيات كانت أكثر أو أقل نسويّة من مجايليها. مقارنات تتم بأدوات وذهنية الحاضر، لغائب لا نعرف عنه إلا ما أُريد لنا أن نعرفه. مع ضرورة الإشارة إلى وجود أفراد امتلكوا وعياً ونمط حياة أقل صرامة في الامتثال لمعايير الفروق الجندرية المتبعة في عصرهم آنذاك، ولكن تظل الصورة أقل وضوحاً من إمكانية إسقاط أحكام قطعية دقيقة. لذا، وتلمساً لوضوح أفضل، لعل من الملائم التركيز على الصورة الأقرب إلينا زمنياً. سنحاول هنا قراءة المواصفات، لا كما هي موجودة في الدراسات النّسويّة الأكاديمية، بل كما تُطرح شعبوياً بين المهتمين بالنّسويّة، للتعرف إلى الوعي الجمعي حول النّسويّة، وكيف تشَكَل هذا الخطاب في المخيلة.

يتمحور الخطاب النسوي «الشعبوي» الحالي حول فكرتين أساسيتين: الأولى تتجسد في الافتخار والتباهي بالذات الأنثوية وتفخيمها على نحو مبالغ فيه، والثانية في التأكيد على الاكتمال الذاتي. ولكل من الفكرتين خطابها ومواضيعها وطبيعة الجدل الخاصة بها.

تفخيم الذات أو تضخيمها

تنطلق فكرة التباهي والافتخار بالذات، الأنثوية تحديداً، من فكرة نسويّة تسعى لتمكين المرأة عبر إعادة بناء للذات تجعلها أكثر ثقة وقوة، مع الأخذ بالاعتبار احتمال التطرف لدرجة التمركز حول الذات. ولكن بداية لنرى كيف تُقدم وتُصور فكرة الافتخار بالذات في الخطاب النسوي الشعبوي. مثلاً، نجد مطالبات لنساء، ممن تقع أجسادهن خارج مقاييس الجمال التقليدية، بالتباهي بجسدهن، أو التباهي بالبياض وهو يغزو شعورهن أو بوجوههن الخالية من المكياج، أو التباهي بالعمر الذي وصلنه رقماً، وكلما كبر الرقم، دلَّ على عظم شجاعة المرأة في الاعتراف والمجابهة، وبالتالي صدق نسويَّتها.

التركيز على المظهر الخارجي للمرأة وصرامة اشتراطات ومعايير هذا المظهر، كان ولا يزال من ضمن مظاهر وأدوات القمع التي مُورست على المرأة. ولكن أليس الاحتفاء بـ (نقيضها المباشر) نوعاً من تقوية للفكرة ذاتها، ولكن من الجهة المقابلة؟ فمثلاً، في مجال الاعتراض على صورة الجسد المثالي الذي تقدمه الميديا عبر عارضات أزياء يرتدين ملابس بمقاييس معينة (10، 12)، نجد نموذجاً يتم تقديمه مؤخراً، باعتباره فتحاً نسوياً، لنساء أقرب إلى جاراتنا وزميلاتنا في العمل بل وذواتنا تختلف مقاييس أجسادهن عن المقاييس المكرّسة، وبصور أُحسن فيها استخدام الإضاءة واختيار اللقطة لتقول لنا: «بإمكانك أن تكوني جميلة حتى وإنْ كنت خارج مقاييس الجمال التقليدية». فهل في هذا تحقيق للخطاب النسوي؟ أليس هذا تذكيراً بتلك المقاييس؟ إنها كحملات مكافحة التدخين التقليدية والتي تنشر صور السجائر في كل مكان مع تحذير أسفلها، فهل أسهمت تلك الحملات في التخفيف من التدخين أم كانت محفزاً غير مباشر، وذلك عبر التذكير بلذة السجائر، كما كشفت بعض الدراسات في هذا المجال؟.

قد لا يكون افتراضنا صحيحاً، وباعتبار تعدد الخطابات النّسويّة، فقد تُحقق هذه الطريقة هدفاً ما، ولكن يجب أن نعي أنه لا يشمل مُبتغى الخطاب النسوي. كلا الصورتان، ألا ترتكزان وتُركزان على أهمية امتلاك صورة لجسد جميل؟ والأخطر، جميل عبر أدوات وبعيون الآخرين. رغم ضرورة الاعتراف بأن الصورة الثانية تقدم إطاراً أكثر اتساعاً وتنوعاً لمفهوم الجمال، ولكنها تحمل الفكرة ذاتها. ثم ماذا إنْ كان هناك نساء غير راضيات عن أشكالهن؟ هل عليهن الشعور بألم مضاعف في هذه الحالة، ألم لعدم الرضا عن الجسد ولـ «خيانة» النّسويّة؟ هل يحرمن من صفة النّسويّة إذن؟ ولماذا يكون جسد المرأة والقبول به هو المعيار؟ مع الإيمان بأهمية الجسد وعياً به وبسطوته، ولكن الإشكالية في خطاب كهذا، أنها تحوله (الجسد) لمجرد غشاء خارجي، كثوب حريري جميل، مع أول نسمه هواء يتطاير ليكشف ما تحته، وقد يكون ما تحته مما لا يرضي صاحبته وتحاول إخفاءه، عبر طبقة شفافة من الحرير. كمعالِجة نفسية، أعي ما قد يحققه هذا الخطاب من أثر علاجي لدى عدد من النساء، ولكن التمادي به يصبح كما الوهم يُقدم للسعادة والرضا. فبمجرد خروج المرأة ذات المقاس (24 مثلاً) وفشلها في العثور على فستان أنيق وملائم، أو تعليق غير لائق من عابر طريق قد ينهار هذا الخطاب، فلماذا ينهار سريعاً؟ لأنه يحمل هشاشته بداخله، هشاشة تشابه هشاشة الإعلانات التجارية التي تريد تسويق كل شي، بما فيها النِّسويّة، لتصبح النّسويّة عاملاً إضافياً يستخدم ليُحفز على تسويق مضاعف لبضائع متعددة الأشكال والمقاسات. المرأة في هذا الخطاب ما هي إلا مادة للعرض أمام الآخر، يستعطف الآخر بطرق متعددة من إضاءة وخلفية وعبارات براقة، بعضها مُقتطع من أدبيات النّسويّة، كل هذا لجعل الصورة أكثر جاذبية للآخر، لا الذات. أي أنها تشتغل على ذات الآلية: تسويق الجسد الأنثوي، ولكن بمرونة أكبر في تقبلها لتعدد قياسات الأحجام وبتنوع خارجي براق. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا