• الثلاثاء 04 ذي القعدة 1439هـ - 17 يوليو 2018م

الفنون والآداب والمعمار ابتكارات إنسانية من أجل الخلود

تأملات في الموت.. والحياة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 ديسمبر 2017

د. سعيد توفيق

علَّمنا شوبنهاور أن الحياة تتحكم فيها وتسيِّرها الإرادة التي يسميها «إرادة الحياة»، أي تلك الطاقة الباطنية التي تدفعنا إلى الحفاظ على حياتنا، وتأكيد وجودنا دائماً بكل السبل الممكنة. يصدق هذا على مسلك الأفراد مثلما يصدق على مسلك الأمم، فالأمم والدول العظمى عبر التاريخ هي تلك التي سعت إلى السيطرة على غيرها من أجل تأكيد قوتها وهيمنتها، وهكذا يفعل الأفراد أيضاً في كل زمان ومكان: السعي الدائم إلى السيطرة والهيمنة، وهم يبذلون في ذلك كل جهد، ويسعون في ذلك ما وسعهم السعي، وهذا أمر مفطور في طبائع عموم البشر لأجل الحفاظ على حياتهم وتأكيد وجودهم، فترى الأفراد في حالة تدافع، وكل فرد يسعى إلى إزاحة وجود شخص أوشيء غيره، إذا كان يهدد وجوده الخاص، ولكن البشر في سعيهم هذا يتناسون أن مآلهم جميعاً في النهاية إلى الموت، سواء كانوا أفراداً أو أمماً وشعوباً.

يسلك أغلب الناس مسلك الحيوانات في مواجهة الموت، إذ يعرفون الموت فقط حينما يهدد حياتهم ويرونه ماثلاً أمامهم، ولذلك تراهم في سرادقات العزاء يذكرون الموت ويدركون حقيقته وحضوره الطاغي، فإذا انصرفوا راحوا يلهثون وراء أغراضهم الحياتية التافهة، بل أصبحنا نرى بعضهم في أيامنا هذه يثرثرون أثناء العزاء حول صغائر الحياة، فلا يتأملون جلال الموت وحكمته، ولا ينصتون إلى القرآن الذي يُتلى عليهم، ولو كان صوت القارئ جميلاً شجياً بحيث يُضفي على حالة العزاء جمالاً على جلال.

سؤال ساذج

طالما أيقنت بالموت وبيوم الحساب. لم يكن يفجعني تذكره، بل طالما أثار تذكره عندي فضولي واشتياقي الخفي إلى معرفة كنهه ودلالته. متى وأين يأتي الموت؟! هذا سؤال ساذج لا يرد إلا على عقل فاسد! سؤال نعرف إجابته من الخبرة التي نعيشها كل يوم، ونعرفها من خلال فهمنا للحكمة الإلهية التي تلخِّص مجمل خبرتنا بالموت في كلمات قليلة، فالسؤال عن «أين»، يجيب الله تعالى عليه في محكم آياته ليوفر علينا الحيرة بقوله: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ»، أما السؤال عن «متى»، فيجيب عليه بقوله: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ»، أي لكل مستقبل نهاية، ولكل نهاية ساعة معلومة. لا يهمني أن تؤمن بأن ميقات هذه الساعة معلوم عند الله، ولكن يهمني أن تؤمن بهذه الحقيقة الميتافيزيقية أو الوجودية التي لا يمكن الشك في صدقها. طالما تأملت هذه الحقيقة، وتأملت بلاغة القرآن في التعبير عنها في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»! فهذا القول البليغ يلخص الأمر كله! تأمل كلمة «ذائقة» على وجه التحديد، ستجد أنها كلمة تدل على الحال والاستقبال في آن واحد، فهي تنبئنا بأن حال الموجود يتمثل في أنه سيذوق الموت حتماً أينما كان ومتى كان! فالوجود نفسه وجود عابر، ومن ثم لا معنى له من دون الزمان. وإذا فهمنا هذا المعنى حق الفهم، فسوف نفهم شيئاً من المغزى البعيد لكتاب هيدجر الخالد عن «الوجود والزمان».

كل من عليها فان، والموت كأس دائر، و«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ». هذا حق، بل ربما يكون الحقيقة الوحيدة اليقينية بشكل مطلق. ولكن من الذي يعي هذه الحقيقية بحيث يعرف أنها ليست حقيقة تخص غيره، لأنه هو شخصيّاً ليس له مهرب منها، فهي ليست حقيقة يمكن أن نعيها لحظيّاً في المناسبات التي تذكرنا بالموت، بل هي حقيقة أزلية أبدية. وقد عبر شوبنهاور عن هذه الحقيقة في صورة بليغة، حينما بيّن لنا أن إرادة الحياة مصيرها أن تنكسر في النهاية أمام الموت: إذ يرجع مرح بعض الشباب وحيويته إلى أنه لا يدرك هذه الحقيقة، فإرادة الحياة (التي بؤرتها الغريزية الجنسية) لا تزال نشطة في بدنه، ومن ثم في روحه ودافعيته نحو الحياة باعتبارها غاية قصوى، ولذلك فإن مرح هؤلاء الشباب وحيويتهم يرجع إلى أنهم في أثناء صعودهم تل الحياة، لا يكون الموت مرئيّاً بالنسبة لهم، إذ يكون قابعاً أسفل السفح الآخر من التل، منتظراً إياهم حينما يهبطون إليه، فالموت آتٍ لا محالة، وهو إن أبطأ أو تأخر عنا، فإنما يكون في ذلك أشبه بالوحش الذي يداعب فريسته قبل أن يفتك بها.

الفارس الشبح ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا