• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

لن ينصلح حال الأمة إلا بتجديد السؤال الديني

كيف نقرأ المشهد اليمني الراهن؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 14 أغسطس 2015

هاشم صالح

كانت مدرسة الحوليات الفرنسية قد قلبت المنهجية التاريخية رأسا على عقب. ففي الماضي كانوا يكتبون التاريخ مركزين على القادة والحكام وتسلسل الأحداث التاريخية وما حصل من معارك عسكرية وبطولات... إلخ وكانوا يعتقدون أنهم استنفدوا علم التاريخ بذلك ولا زائد لمستزيد. ولكن أقطاب مدرسة الحوليات وعلى رأسهم المؤرخ الشهير فيرنان بروديل قالوا بأننا لا يمكن أن نفهم بلداً ما إذا لم نعكس ذلك ونركز على البنى التحتية لا الفوقية السطحية. قبل الحديث عن أي بلد ينبغي أن ندرس المعطيات الجغرافية والمناخية والديموغرافية السكانية والاقتصادية. بعدئذ ننتقل إلى دراسة القادة والأبطال والأحداث السياسية والسلالات الحاكمة. وبالتالي فالبطل الأساسي لأي بلد ليس ما نعتقده ونتصوره. انه ليس هذا الحاكم أو ذاك بالدرجة الأولى وإنما أشياء من النوع التالي: هل حبا الله هذا البلد بموقع جغرافي مهم؟ هل منحه مصادر طبيعية غنية واقتصادا مرموقا؟ هنا يكمن البطل الحقيقي للتاريخ.

هاشم صالح

إذا ما طبقنا هذه المنهجية الحديثة على اليمن وجدنا أنه يتمتع بمناظر طبيعية خلابة وموقع جغرافي رائع وشعب شهم ورائع. ولكنه يعاني من نقص في الثروات الطبيعية وفقر حقيقي. فالاحتياطات البترولية لليمن قد تستنفد بحسب أقوال الخبراء بعد خمس أو عشر سنوات على أكثر تقدير. وبالتالي فميزانية الحكومة ستتأثر كثيرا بذلك. ومعلوم أن البترول يشكل 75 بالمئة من هذه الميزانية. وفي ذات الوقت نلاحظ أن المعطيات الديموغرافية مقلقة. فالنمو السكاني يصل في اليمن إلى نحو الأربعة بالمئة. وهي نسبة كبيرة في بلد لا يمتلك ثروات طبيعية كافية لإطعام كل هذا العدد الغفير من السكان. فعدد اليمنيين 25 مليون نسمة حاليا ولكنه سيصبح أربعين مليوناً بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة فقط. فكيف يمكن تأطير واستيعاب كل هذه الأجيال الجديدة الطالعة؟ كيف يمكن لبلد فقير في الموارد أن يلبي حاجاتها؟ يضاف إلى ذلك مشكلة المياه. هل نعلم أن صنعاء مهددة بالعطش قريبا بسبب الإفراط في استخراج المياه وتبذيرها؟ ثم بسبب سوء السياسات الحكومية السابقة. وبالتالي فليس نضوب البترول هو الذي يشكل مشكلة وإنما نضوب المياه أيضا أو شحها. ومعلوم أن التنافس على الماء قد يسبب النزاعات والحروب. نقول ذلك ونحن نعلم أن الحرب الإثيوبية - الإريترية اندلعت على المياه. بل و80 بالمئة من الحروب اليمنية السابقة كانت على المياه. ومعلوم حجم الفزع الذي شعرت به مصر عندما أحست بأن حصتها من ماء النيل قد تنخفض بسبب السدود الجديدة التي تقيمها إثيوبيا بل وبسبب السودان أيضا. وبالتالي فحروب المياه قد تكون قادمة إذا لم يستطع المسؤولون تحاشيها بحكمتهم وتعقلهم.

معطيات بنيويّةهذه هي بعض المعطيات البنوية المفصلية التي تتحكم بمصير اليمن بغض النظر عن السياسات الحكومية المتبعة وبغض النظر عن الأحداث السياسية أيا تكن. إنها معطيات مادية جغرافية اقتصادية ديموغرافية لا مهرب منها ولا مفر. فكيف إذا ما أضفنا إليها الحروب الأهلية والمجازر؟ إن مأساة شعب اليمن الحالية يدمى لها قلب كل عربي. فهل يستحق شعب أبيّ وكريم كشعب اليمن كل هذا العذاب؟ هل يستحق كل هذا الدمار؟ الأحوال الإنسانية أصبحت هناك مأساوية بكل ما للكلمة من معنى. أصبحت لا تحتمل ولا تطاق. ينبغي العلم أنه إذا ما انهارت الدولة والبلاد فإن أول المستفيدين هو تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ومعلوم أنه أقام مركزه الأساسي مؤخرا في اليمن، بلد أسامة بن لادن. وهم الآن في طور تشكيل ملجأ كبير آمن هناك بعد أن ضاقت بهم أفغانستان وباكستان.. وزاد الطين بلة أنه انضاف اليهم مؤخرا من هو أكثر تطرفا ودموية منهم. قصدت تنظيم داعش ما غيره. وقد بث الرعب مؤخرا في صنعاء من خلال تفجيرات انتحارية في الجوامع أدت إلى سقوط المئات من قتلى وجرحى.

ويرى الخبراء أن اليمن قد يصبح قريبا بل وأصبح منذ الآن عبئا على المنطقة، فهل يمكن أن تتخلى عن اليمن؟ هل يمكن أن تتركه يغرق؟ في الواقع أنه لن يغرق وحده وانما ستغرق المنطقة كلها معه. لماذا؟

لسببين أساسيين: هو أن المنظمات الإرهابية المذكورة سابقا ستنتعش كثيرا وتستغل الوضع لصالحها وبالتالي ستعيث فسادا في كل المنطقة. وثانيا لأن انهيار اليمن يعني أن نصف سكانه سيهربون، وبالتالي فسوف تتحول المشكلة اليمنية بالضرورة إلى مشكلة إقليمية. فهناك جيش جرار عاطل عن العمل في اليمن. وهؤلاء سيهربون، فهل يمكن لها استيعابهم كلهم؟ ينبغي العلم بأن العمال اليمنيين الطيبين المغتربين هم المصدر الثاني للدخل في اليمن بعد البترول. فكل عامل يمني في الخارج يطعم في الداخل نحو سبعة أشخاص بفضل ما يرسله إلى عائلته بالعملة الصعبة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا