• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

شذريات

وطن عنوانه المنفى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 فبراير 2016

رضاب نهار

انظر حولك.. المنفى لم يعد مكاناً غريباً، ففي الغالب يحدث أن يعتاده المنفيون ويألفونه إلى درجة مطلقة الحميمية. وتصبح تفاصيله المرمية عبثاً على الشرفات والأسطح وفي الشوارع والحارات، مفاتيح مثيرة للروح، للحب وللحزن وللكتابة.. ومن دون أن ندري، ومن دون أن نعدّ لحظات العمر. يتحوّل المنفى إلى وطن، كبيراً جداً، يحتضنك، يعتصرك، وقد يخنقك. لكنك لا تفارقه أبداً لأن فيه بقاياك القديمة وحاضرك المستمر، ممسياً هو القدر.. في معجم المعاني الجامع للغة العربية، يفسّر المنفى بأنه اسم مكان من نفى، أي: مكان إقامة المطرود من بلاده. ويُقال: عاد من منفاه إلى أرض الوطن. لكن للمنفى بعده المعنوي غير المادي، الخارج عن نطاق الجغرافيا والأراضي. فثمة منافٍ روحية وأخرى فكرية، يختبرها الأشخاص داخل أوطانهم، وما أصعبها وأفظعها. ومنذ بدء الحياة على وجه الأرض، وعند كل الشعوب في العالم، اقترن مفهوم المنفى بالسؤال والفضول، وبالاختلاف. وصار فعلاً موازياً للوعي المهلك الذي يصاب به الإنسان، ويجعله علامة مميزة خارج السرب، خارج القطيع. وأن تكون فضولياً يعني أن تطرد بعيداً، فأنت في هذه الحال، كائن يتسبب بالمشاكل ويعترض على بديهيات ليس من حقك أن تسأل عنها. حينها يُفضّل أن تُسجن، تُقتل، وفي أفضل الأحوال يمكن لك أن تُنفى فتحمل بعضك وترحل إلى مكان تستطيع فيه أن تجيب عن أسئلتك بنفسك، وبصمت. لكن الآخرين لا يعرفون أبداً، أن معاقبتك بالنفي يعني اقتلاعك من جذورك ونثر شذراتك على مساحة خريطة باردة لا تعرفك ولا تعرفها. فتثمر بذورك وتخضّر أوراقك.. أيضاً، لطالما اقترن المنفى بالكتابة التي صارت متنفساً روحانياً، في محاولة للإجابة عن أسئلته المتخبطة بين الألفة والاغتراب، حيث مرّ كتّابه على العديد من مراجع التاريخ والفلسفة، وقطعوا الكثير من خرائط الجغرافيا، بغرض الوصول إلى إجابة محددة لكن دون فائدة مطلقة أو حتمية. فهل ينحسر الوطن بين غلافي جواز السفر أو في رقعة جغرافية وحيدة؟ وهل يمكن له أن يترحّل معنا في الحقائب؟

عند هذه الأسئلة التقى الأدباء والمفكرون العرب والأجانب، مؤكدين أن الضعفاء والفاشلين فقط هم الذين لم يتصالحوا مع منافيهم، وسمحوا لها أن تقتل حبهم للحياة.

***

المعرفة ينبوع حياةٍ متحوِّلةٍ، إلاَّ أنها شُرِطَت بنفي مَن يطلبها. إذن متى نعرفُ من دون أن نُنْفى، ومتى لا تصبح المعرفة منفى؟

الوطن الحقيقي للمنفى، هو خارج الزمان والمكان، خارج كل الأوطان والبلدان، بل هو خارج كل عتاقة وماضوية. إنه هناك، في تجليات الجديد دائماً. لا يحكمه أحد، ولا يحرسه أحد، ولا يوجد على الخريطة، ولا يصل إليه كل من هبَّ ودبّ كذلك. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف