• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

تمّام عزّام يؤثث الخراب السوري بأيقونات الفن الغربي

الدَّمار كعمل فني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 فبراير 2016

د. أم الزين بنشيخة المسكيني

لليونان تراجيديا ديونيزوس، وللمحدثين جماليّات العبقريّة، وليهود المحرقة استطيقا الكارثة، أمّا نحن العرب الحاليّون فهل يكون نصيبنا هو جماليّات الدمار؟ وبمعنى آخر هل يكون مفهوم الدمار هو المفهوم الجمالي والفلسفي الذي بوسعه أن ينخرط عربيّا ضمن التاريخ الكونيّ لجماليات المريع (sublime). ثيودور أدرنو المفكّر الألماني المعاصر كآخر صاحب أهمّ نظرية إستطيقيّة في القرن العشرين، حينما كتب في ستّينيات القرن الماضي: «لم يعد ثمّة من جمال، لأنّ الجمال لم يعد موجودا»، وهو في ذلك إنّما يتّخذ من مفهوم القبح براديغما جماليّا ناظما لجملة كتاباته حول الفنّ الحديث.

من الجميل إلى المريع

لكن يبدو أنّ ما يحدث لنا في هذا الواقع العربيّ المتخم بالدمار الموحش قد لا تستوفيه مقولة القبح، فالقبيح يفترض جميلا ما يوجد في مكان آخر، غير أنّ الدمار لا يفترض غير خراب المشهد وخلاء المكان وغياب الجمال نفسه. فالدمار أكثر من أن يكون قبيحا فقط.. فكيف سنكتب عن مجازرنا اليوميّة في المدائن العربية؟ كيف سنرسم محارقنا فنّيا؟ وكيف سنكتب عن دمار مدننا جماليّا؟

في هذا الزمن المثقل بالضحايا، بالمفقودين والمقتولين والمحترقين والغارقين واللاجئين والمجوّعين، إنّ ما نعيشه قد لا يقبل التمثيل ولا التخييل، لذلك هو ينتمي الى جماليات المريع. أيّ شكل من التفكّر الجماليّ يناسبنا؟ ولأنّنا صرنا نحن هم السكّان الأصليّون لمناطق ترويج صناعة الدمار، ربّما يكون الأجدر بنا أن نجعل من فكرة الدمار نفسها مفهوما ناظما لإمكانيّة تأسيس جماليّاتنا الخاصّة بنا عربيّا. على أنّه ينبغي علينا أن ننبّه ههنا إلى أنّنا لا نروم التأسيس لأيّة عدميّة سلبيّة جديدة ولا إلى أيّة بكائيّة على طريقة البكّائين المعاصرين بانتماءاتهم المختلفة. آن الأوان أن نكون قادرين على التماسك صُلب الخراب في ضرب من المقاومة له في آن معا. نحن ههنا صامدون، وهذا وحده يكفينا. على إيقاع آلامنا سوف نبدع أمكنة أخرى. وستكون أفراحنا ممكنة ضمن ضرب من الرغبة العميقة في المستحيل. لا وقت للتشاؤم ولا للتفاؤل. نحن فقط نقاوم بأغنيات أخرى فيما أبعد من البشر. ونحن فقط نكتب قصائد أخرى على إيقاع إعدام شاعر هنا أو هناك. ننشد أغاني للحياة حتى وإن لم تبق غير أغانينا، فقد تصل تِلكم الأغنيات يوما إلى مكان ما.

في هذا المقال نكتفي بترصّد بعض تجلّيات مفهوم الدمار، كمشكل إستطيقيّ، في الشهادة بالفنّ على معاناة الشعب السوريّ الموجعة كما صوّرتها أعمال الفنّان السوريّ تمّام عزّام. وهي أعمال تعبّر بالصور على خواء الأمكنة في سوريا اليوم وهي تحيا تحت قصف القنابل وتفجيرات الإرهابيّين تحت كلّ عناوين الإرهاب المحلّي والعالميّ. فالموت في سوريا لا يشبه أيّ موت آخر، لأنّه موت يوميّ ولا أحد يعلم نهاية هذه المجزرة الكبرى. بل إنّ الناس في سوريا لا يموتون بل يُقتلون. بين أن تموت وأن تُقتل ثمّة مسافة موجعة. لأنّ من لا حقّ له في الموت لا حق له في الحياة أيضا. ورغم ذلك يبدو الواقع السوريّ هو أبشع وأفظع بكثير ممّ تلتقطه الصور أو تعبّر عنه الرسومات الفنّية. تلك هي الأطروحة الجماليّة العميقة للفنّان تمّام عزّام بحسب بعض أقواله. سنكتفي بتصفّح عمله الأخير الذي يُعرض تحت عنوان «الطريق رقم 1» ضمن معرض الطريق بدبي. ونحن نقترح ههنا بعض خطوط التفكير تحت راية جماليّات الدمار كبراديغم قراءة بوسعه هدينا إلى وجهة جمالية مغايرة تتّخذ من المقاومة أفقا لها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف