• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

إيكو والتأويل.. من الشجرة إلى المتاهة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 فبراير 2016

العادل خضر

ليس من الهيّن متابعة مفهوم التّأويل عند الكاتب الإيطالي الشّهير إمبرتو إيكو Umberto Eco. فتعدّد وجوه كتابته وغزارة المواضيع الّتي طرقها ومسيرته العلميّة والإبداعيّة الطّويلة قد جعلت محاصرة هذا المفهوم بدقّة وعمق عملاً عسيراً. فلم يكن إمبرتو مجرّد رجل السّيميائيّات اللاّمع وإنّما أحد آبائها المؤسّسين ومن كبار المساهمين في انتشارها على نطاق واسع في العالم، ولا كان مجرّد كاتب مقالات في الصحف الإيطاليّة، يتابع بها إيقاع التّحوّل اليوميّ في مجتمعات الاستهلاك والفرجة والمخاطر، ولا كان مجرّد مؤلّف روايات بارع حاز شهرة عالميّة برواية اسم الوردة وما تلاها من الرّوايات ذات الطّابع الموسوعيّ والأجواء البورخيسيّة، ولا كان مجرّد فيلسوف في مجال الإستطيقا القروسطيّة، ومجرد مؤرّخ منقطع النّظير لجماليات القبح والجميل، ولا كان مجرّد منظّر مؤسّس لعلم السّرد، ولا مجرّد ناقد أدبيّ ما فتئت مقالاته الأدبيّة عن التّرجمة والأدب والرّواية... تثير ما تثير من القضايا الّتي لا ينقطع الخوض فيها ولا تحسم بفصل مقال. إنّ أمبرتو إيكو هو كلّ هذه الوجوه معاً، تواجهك دفعة واحدة في كلّ ما يكتب.

يتحلى أمبرتو إيكو بثقافة موسوعيّة ومعرفة ثاقبة بالتّراث الفلسفي واللاّهوتي، وحذق لغات عديدة كالإغريقيّة واللاّتينيّة أهّلته إلى أن يكون وجها من وجوه الثّقافة الكونيّة، واسما لامعا من أسماء الفكر الإيطالي الحديث يذكر دائما إلى جانب فلاسفة من قامة أنطونيو نيقري وجرجيو أقمبن وجياني فاتيمو إلى جانب أسماء أخرى لا تقلّ شهرة في عالم الأدب كإيتالو كالفينو وبيارو كمبورازي.

متعة التأويل

داخل هذه الغابة الكثيفة ودروبها المتشعّبة، ينبغي أن ننزّل شبكة العلاقات الّتي نسجها مفهوم التّأويل مع كلّ وجه من وجوه إيكو. ففي مجال التّنظيرات الأدبيّة والفنّيّة الأولى تأثّر مفهوم التّأويل عند إيكو بتصوّره لـ«الأثر المفتوح»، (Opera aperta, 1962). ويمكن أن نوجز هذا التّصوّر بأنّ كلّ أثر مفتوح حتّى وإن كان له شكل مكتمل منغلق، إنّما هو أثر منفتح على طرق مختلفة في تأويله دون أن يؤثّر ذلك في فرادته أو يغيّر شيئا من بنيته. ويضيف إيكو أنّ التّمتّع بالأثر الفنّي أو الأدبيّ يرجع بالدّرجة الأولى إلى تأويله أو طريقة أدائه، أو إحيائه من منظور طريف. وعلى ذلك النّحو أمكن إجراء شعريّة الأثر المفتوح على كلّ الآثار الموسيقيّة والشّعريّة والرّوائيّة... في حدود إمكانات المتذوّق للآثار الثّقافيّة الشّخصيّة وانفعالاته الذّاتيّة. فالتّأويل في سياق «الأثر المفتوح» قريب من معنى الأداء الموسيقيّ. فهو أداء واع حرّ ينجز شكله الخاصّ دون أن يكون ذلك الأداء مقترنا على نحو ضروريّ بالأثر. فشعريّة الأثر المفتوح تحتفي بعنصر المتعة الجماليّة الذّاتي، فهي تولي أهمّية بالغة لشخصيّة المتقبّل.

ونشعر في مجال السّرديات بأنّ هذه الحرّيّة التّأويليّة قد تقلّصت عندما انقلب إنتاج المعنى sens إلى إنتاج لوقع المعنى effet de sens أو لتأثيراته الممكنة. فعندما علّق إيكو على شريط «قصّة حبّ»، في كتابه الطّريف «من السّوبرمان إلى الإنسان الأرقى» بيّن أنّه من المستحيل أن نتذوّق طعم الملح إذا كنّا نأكل حلوى من عسل. فمهما كانت ثقافة الإنسان ومهما بلغت قدرات المرء على التّحكّم في حواسّه فإنّ الكيمياء لا تخطئ أبدا. وكما أنّ الكيمياء تجعل كلّ الأفواه السّليمة تحسّ بحلاوة الحلوى في مذاقها فكذلك للعواطف والأهواء كيمياء خاصّة بها، يمكن إثارتها بقول معلوم أو نظم مخصوص من طرائق النّظم الأدبيّ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف