• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

كلماته ثاقبة.. وأحياناً شرسة ذات مخالب

بول أوستر: اللغة أمام محنة الوجود

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 فبراير 2016

ترجمة وتقديم - خالد البدور

شعر - بول أوستر

يُعد بول أوستر اليوم أحد أكثر كتاب أميركا تميزاً، ففي رواياته وكتاباته الأدبية قدم هذا الكاتب أسلوباً وصوتاً له فرادة وخصوصية. قبل الرواية ولج أوستر عالم الشعر، وقد أصدرت دار النشر فابر مجموعاته الشعرية الثلاث التي أصدرها في سبعينيات القرن العشرين، حين كان في عشرينيات عمره، ثم توقف بعدها عن الشعر ليتفرغ للرواية والترجمة والكتابات الأدبية والنقد. بحث قراء أوستر في كتاباته الشعرية المبكرة دوماً عن الصوت والمخيال الروائي فيها. هل كان يمكن التنبؤ بوجود روائي خلف تلك النصوص الشعرية؟ على الأغلب فإن الإجابة هي النفي، إذ إن أشعاره كانت عبارة عن صور تعبيرية خاطفة، حادة ومكتنزة بالإشارات، في غياب أي ملمحٍ سردي أو نفسٍ قصصي. في ما وراء سطوره يلمع تأثير غامض لرومانسية ريلكه ومالارميه، ثم الأجيال الأخرى من التعبيريين كبول تسيلان أو الأشعار الرمزية لماندلشتام، وهناك أيضاً بعض التأثير من إيميلي ديكنسون وإدغار آلان بو، على حد تفسير المحرر الأدبي لصحيفة الغارديان.

في القصائد المختارة للترجمة هنا يبدو أوستر لاعباً كبيراً بالصور بأقل قدرٍ من الكلمات. يختزل إحساس الكائن بالوجود من خلال كلمات، وأصوات، ومجازات، تبدو مجردة ومشظَّاة. بعد أن تذهب معه في النص لا يلبث إلا أن يعود بك إلى محور القصيدة، والذي يبدأ من عنوانها وسطرها الأول. في مقاطع قصيرة يختار كلمات ثاقبة، وهي أحياناً شرسة ذات مخالب: (ليلٌ، وثلجٌ يتساقط، تكرارُ جريمةٍ بين الأشجار) بعد هذا يقودك برفق إلى عالمٍ أكثر رأفة: (جسدٌ بين الأشجار، جاء يسير من الليل/‏‏‏ صوتي يأتي ماشياً نحوك).

غير أن الحب ينهض من بين سطور القصائد بصمت. يبدو الشاعر كمن يتأمل في المشاعر، يصفها كما لو كان شاهداً، يقترب منها إلى حد صارخٍ ثم يبدأ بالابتعاد دون أن يترك وراءه أثراً، ويسيطر الصمت و«استحالة» الكتابة عن العالم على نصوصه، ويبدو أنه لا يتحدث عن شيء ما، بل عن ظلال وأشباح لكائن ما، وتظهر اللغة كأداة محدودة وغير قادرة على فعل شيء أمام محنة الوجود.

في شعره وبعد ذلك في رواياته نرى اللغة في امتحان أمام نفسها، وبما أنه يكتب عموماً عن انهيار الحدود الفاصلة بين ما هو حقيقي وما هو وهم فإن مصير الإنسان لديه يتحدد عبر الصدفة. يخلق عالماً تولد فيه الأحداث للشخصيات الإنسانية، والتي ينعطف فيها مسار حياتها بفعل اللامنطقي واللامسبب من أجل أن تتخذ درباً لم تقرره أو تخطط له. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف