• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

أعوذ بك من نفس لا تشبع!

عبيد المال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

ألفة يوسف

ليس لدي أي موقف من المسابقات، وليس لدي أي موقف من الومضات الإشهاريّة - الإعلانية. فقط أريد أن أستغلّ هذا الفضاء لنفكّر معا في ما وراء ثقافة يطيب لي أن أسمها بثقافة الرّبح والجمع.

لا بدّ أن أوضّح أن الرّبح والجمع المعنيّين في هذا المقال يحيلان على عناصر مادّية. فلا يتعلّق الأمر بربح الأجر ولا بجمع العلم، وإنّما بجمع أكثر ما يمكن من المادّة مهما يكن شكلها أو صنفها أو تجسّمها.

تقوم ثقافة الجمع على تصوّر أنّ الإنسان الأفضل هو ذاك الذي يمتلك أكثر. وثقافة الجمع لا تضع حدّا لمفهوم الامتلاك بل يمكن القول إنّ تصوّرها للامتلاك لانهائي. فمن يمتلك منزلا يفكّر في توسيعه أو بناء طابق آخر أو بناء مسكن على البحر. ومن يمتلك سيّارة يفكّر في تغييرها بسيّارة أفضل أو في تزويدها بمرافق أكثر. ومن يمتلك جوّالا يريد أن يشتري جوالا آخر به آليات أكثر حتى إن كان لا يحتاجها.

قد يقول البعض: إن هذا عاديّ أفلا يسعى المرء إلى تحسين وضعه باستمرار؟ المشكل ليس في هذا السّعي ولكن في نتيجة هذا السّعي. والسّؤال الذي تجعل الحضارةُ المادّيةُ الحديثة النّاسَ يغفلون عن طرحه هو ما هي نتيجة الجمع؟ أو بعبارة أخرى: هل يؤدّي هذا الجمع إلى الرّاحة والاطمئنان والسعادة؟

في أغلب الأحيان نجد النّاس يغرقون فيما يمكن أن يسمّى بدوّامة الاستهلاك والجمع. ويندر أن يشعر المرء بالرضا أو الاطمئنان نتيجة للجمع المفرط. إنّ الجمع، أيَّ جمع، عندما يكون هدفا في ذاته ليس سوى سعي محموم إلى نفي الافتقار البشريّ الأصليّ. ومثاله الرجل الـ (دون جوان) الذي لا يني يجمع النّسوة، والبخيل الّذي لا يكفّ عن جمع المال، والإنسان الذي لا يكفّ عن جمع الوقت حتّى يغدوَ الزّمان صنو المال في المثل الأمريكي الشهير: الوقت هو مال (Time is money).

على أنّ (دون جوان) الّذي يجمع النّسوة لا يكفّ عن الجمع ولا يشعر بالرّاحة، والبخيل الّذي يجمع المال لا يتمتّع بالمال الّذي يجمعه، والإنسان الّذي يودّ أن يمتلك الحياة لا يتمتّع بالحياة الّتي يحياها. فكم من فرد تجده يُمضي حياته كلّها نادماً على أنّه لم يُمض حياته في صورة أفضل، وما النّدم في جميع ضروب تجسّمه سوى تأكيد لرفض ضياع الممكن بتحقّق الكائن.

والأهمّ أنّ ثقافة الاستهلاك والجمع توهم الإنسان بقدرتها على إجابته عن معنى وجوده في الكون في حين أنّها لا تفتح، في الواقع، إلاّ على هوّة فاغرة فاها لا تملك جميع أموال الدّنيا لها سدادا. إنّ الوعي بأنّ «الأكثر ليس الأفضل» وإنّما الأفضل هو ما يكفي الإنسان قد يساهم في طمأنة المرء بتذكيره بأنّ الغِنى الفعليّ هو الغِنى عن الدّائرة المفرغة للامتلاك.

إنّ الاطمئنان بهذا المعنى هو حركة راحة وسكون نفسيّين في مقابل اللّهفة التي لا تُجاب والظّمأ الّذي لا يرتوي والهوّة الّتي لا تُسدّ. وبهذا المعنى نفهم دعاء الرّسول صلى الله عليه وسلّم: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من نفس لا تشبع».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف