• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

لابن حزم الأندلسي

المحبون.. رعاة الكواكب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

إبراهيم الملا

(1)

الحب، أوله هزل وآخره جد، دُقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا ندرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة، وقد اختلف الناس في ماهيته، وقالوا وأطالوا، والذي أذهب إليه أنه اتصال أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة، في أصل عنصرها الرفيع، وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال، والشكل دأبا يستدعي شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس، وتأثير مشاهد والتنافر في الأضداد، والموافقة في الأنداد، والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس؟ وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعّاد المعتدل، ونسخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار، كل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان.

(2)نفس المحب متخلّصة، عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة، طالبة له، قاصدة إليه، باحثة عنه، مشتهية لملاقاته، جاذبة له لو أمكنها كالمغناطيس والحديد، قوة جوهر المغناطيس المتصلة بقوة جوهر الحديد، وقوة الحديد متروكة الذات غير ممنوعة بحابس، تطلب ما يشبهها وتنقطع إليه وتنهض نحوه بالطبع والضرورة وبالاختيار والتعمد، وأما العلّة التي توقع الحب على الصورة الحسنة، فالظاهر أن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن، وتميل إلى التصاوير المتقنة، فهي إذا رأت بعضها تثبتت فيه، فإن ميّزت وراءها شيئا من أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية، وإن لم تميز وراءها شيئاً لم يتجاوز حبها الصورة، وذلك هو الشهوة، وأما في البغضة فترى شخصان يتباغضان لا لمعنى ولا علّة، ويستثقل بعضهما بعضاً بلا سبب.

(3)الحب داء عياء، وفيه الدواء على قدر المعاملة، ومقام مستلذّ، وعلة مشتهاه، لا يودّ سليمها البرء، ولا يتمنى عليلها الإفاقة، يزين للمرء ما كان يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده، حتى يحيل الطبائع المركّبة، والجبلّة المخلوقة.

وللحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي، فأولها إدمان النظر، والعين باب النفس، وهي المنبثقة عن سرائرها، والمعبّرة لضمائرها، والمعربة عن ضمائرها، فترى الناظر لا يطرف، بل يتنقّل بتنقل المحبوب، وينزوي بانزوائه، ويميل معه حيثما مال، كالحرباء مع الشمس، ومنها الإنصات إلى حديثه إذا حدّث، واستغراب كل ما يأتي به وكأنه عين المحال وخرق العادات تصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار، واتباعه كيف سلك، وأي وجه من وجوه القول تناول.

(4)والسهر من أعراض المحبين، وقد أكثر الشعراء في وصفه، وحكوا إنهم رعاة الكواكب وواصفو طول الليل، ومن علاماته حب الوحدة، والأنس بالانفراد، ونحول الجسم دون حدّ يكون فيه، ولا وجع مانع من التقلّب والحركة والمشي، ودليل لا يكذب، ومخبر لا يخون عن كلمة في النفس كامنة. ومن أعراضه الإسراع في السير نحو المكان الذي يكون فيه المحبوب، والتعمد للقعود بقربه والدنوّ منه واطراح الأشغال الموجبة للزوال عنه، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى مفارقته، والتباطؤ في الشيء عند القيام به، ومنها بهت يقع، وروع يبدو على المحب عند رؤية من يحب فجأة وعند طلوعه بغتة، ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه، أو عند سماع اسمه فجأة! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف