• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

جولة تصفيق حار للجمهور..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

قاسم حداد

بينما كنتُ أبحث مؤخّراً في ملفاتي القديمة على الحاسوب، عثرتُ على مقالين كتبتهما في منتصف ثمانينيات القرن الماضي حول «قبيلة بونجا» الغامضة. وقد التفتّ إلى الأسلوب التهكمي الذي استخدمته آنذاك لمناقشة بعض العادات التي بدأت ترسخ في ذلك الوقت، وجعلتنا نبدو، بحسب اعتقادي، كمجتمع بدائي. وأذكر من بين هذه العادات الميل إلى التصفيق.

وكتبتُ آنذاك أنّ أفراد قبيلة «بونجا» حصروا التصفيق بمناسبتين: عند التعبير عن إعجابهم بعرض جيّد، أو عند رغبتهم في تكريم شخص يستحق الثناء. ومن ثمّ، ظهر التلفاز، ومعه الأضواء والإشارات التي علّمت الجماهير في الاستوديو متى يتوجّب عليهم التصفيق. وحين اكتشف المشاهدون في المنزل هذه الخدعة، شعر كثيرون منهم أنّ التصفيق بات رخيصاً. إلا أنّ أفراد قبيلة «بونجا» لم يكونوا من هذا الرأي.

تقاطرت حشود من قبيلة «بونجا» إلى استوديوهات التلفزيون، متلهفة للحصول على فرصة للتصفيق. وبدلاً من إعطاء إشارة للتصفيق، اكتفى بعض مقدّمي البرامج بالقول في الوقت المناسب: «فلنصفّق تصفيقاً حاراً». إلاّ أنّ الجماهير في الاستوديو راحوا يصفّقون من دون أن ينتظروا حتّى إشارة من المقدّم. وكان يكفي أن يطرح المقّدم سؤالاً على أيّ شخص عن المهنة التي يمارسها لجني المال، حتى يصفّق الجمهور تصفيقاً حاراً، بغضّ النظر عن الجواب. ولن يتنبّه أحد مثلاً لو أنّه قال: «أحرس غرفة غاز في بركة محلّية للكلاب». وأحياناً، بالكاد يستطيع المقدّم الانتهاء من عبارة «مساء الخير»، حتّى يقاطعه الجمهور بتصفيق حار.

بات التصفيق جزءاً لا يتجزأ من التلفزيون. ومن دونه، قد تبدو البرامج زائفة، فيودّ المشاهدون في المنزل تغيير القناة. ويُزعَم أنّ أفراد قبيلة «بونجا» تمنّوا لو أنّ التلفاز يعكس واقع الحياة كما هي، وبنظرهم، كان من الضروريّ أن تتضمن أشخاصاً يصفقون. وبالتالي، وكي يشعر أفراد القبيلة بأنهم على صلة وثيقة بالحياة الحقيقية، راحوا يصفّقون طوال الوقت، وليس داخل استوديوهات التلفزيون فحسب. بل بدأوا يصفّقون خلال الدفن، لكن ليس تعبيراً عن فرحهم بوفاة أحدهم، أو لأنهم ظنّوا أنّ التصفيق سيرضي الميت، بل كي يشعروا بأنّهم أحياء يُرزَقون، تماماً كالأشخاص الذين يظهرون على شاشة التلفزيون. وكتبتُ آنذاك أنني زرتُ يوماً منزل شخص ينتمي إلى قبيلة «بونجا»، وقد دخل أحد أقربائه إلى المنزل، وأعلن قائلاً، «دهست شاحنة جدتي للتو». وردّاً على ذلك، وقف الجميع وبدأوا بالتصفيق.

بعد نحو ثلاثة عقود على كتابة هذه القصة عن الجدة، باتت عادة التصفيق أكثر انتشاراً. وقد خطرت هذه الفكرة على بالي حين كنت أشاهد برنامجاً ممتعاً بعنوان «رد فعل تسلسلي»، يقدّمه رجل اسمه أماديوس. ويعرض البرنامج فريقين متنافسين، يتألّف كلّ منهما من ثلاثة أشخاص يحاولون أن يحزروا كلمات. وبالنسبة إلى كلّ فريق، يبدو من المنطقيّ التصفيق حين يحزر عضو فيه الكلمة الصحيحة. (حتى أنّ الشخص الذي يعطي إجابة صحيحة يصفّق لنفسه). ولكنّ اللافت أنهم كانوا يصفّقون أيضاً حين يعطي الخصم الجواب الصحيح. حتى أنهم يصفقون حين يعلن أماديوس الانتقال من لعبة إلى أخرى.

لا أظن أنّ المتبارين يتصرّفون بهذه الطريقة لأنهم مختلّون عقلياً، إذ يبدو عليهم أنّهم أشخاص أذكياء. وأعتقد أنّهم مجبرون على التصفيق لأنّه جزء من البرنامج. وبالتالي، بات التصفيق مجرّداً من أي معنى. ويمكن أن يكون تعبيراً إيقاعياً على غرار عدد من العادات القبلية، أو ربما مجرّد تعبير عن التأييد، تماماً كهز الرأس إيماءً بالموافقة وقول كلمة «نعم»، التي تشير إلى المشاركة والفرح والرضا. إلا أنّ المبالغة في استخدام التصفيق جرّده من معناه في عدد من المناسبات الأخرى.

لا أفهم السبب الذي يدفع بالناس في هذه الأيام إلى التصفيق في مناسبات غير ملائمة، كما يحصل في إيطاليا، خلال تشييع ضحايا المافيا. هل التصفيق عربون احترام للراحل؟ أم هو تعبير عن الفرح بموته؟ أم أنّه يهدف إلى إذلال القتلة؟ يجدر بالناس حتماً وضع حدّ لهذه الظاهرة. وجميعنا موافق على ضرورة الامتناع عن التصفيق حين يضع الرئيس إكليلاً على ضريح الجندي المجهول، إجلالاً واحتراماً للموقف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف