• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م

للستر والحجب والطمس.. ولها وظائف أخرى

العباءة.. تمرّد ناعم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 فبراير 2018

د. هند السليمان

يُنظر للعباءة، كرداء تجاوز مفهوم «اللباس» ليكون مظهراً من مظاهر تنظيم اجتماعي يحدد للمرأة السلوك الذي ينبغي أن تسلكه، والأماكن التي توجد فيها. فالعباءة ليست رداء لستر الجسد فقط، بل إن في لبسها استبطان لفكرة جسد يُحجب، وحضور يجب أن يُطمس. فهل هي مصادفة أن تكون العباءة بلون السواد. لون الليل، حيث تصعب الرؤية وتغيب الأشياء؟ لفهم بعض دلالات العباءة لا بد من استعراض التاريخ الحديث للعباءة، لكننا سنطلّ عليه هنا بشكل موجز.

مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، بدأت النساء، وتحديداً نساء نجد، في إسدال العباءة حتى تصل الأرض بعكس أمهاتهنَّ اللاتي كن يرفعن أطراف عباءتهن السفلى بأيديهن إلى أعلى الأفخاذ وأحياناً إلى الخصر ليكشف عن فستان «الكرته» الملون. إخفاء الألوان، ألوان فستان الكرته، وانتشار السواد لم يعترض عليه أحد وربما لم يلحظه أحد، مرَّ الأمر هادئاً. وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأت النساء ما اعتبر تمرداً، وإن كان تمرداً غير مباشر، حيث أُسقطت العباءة بضع سنتيمترات، لتنزل من أعلى الرأس إلى الكتف، وللمفارقة، حدثت حينها ضجة واستنكار رغم أن السواد لا زال يحيط بجسد المرأة. فلماذا أحدث (تغير) ضجة كبيرة و(آخر) لم يحدث رغم أن الموضوع واحد: عباءة المرأة؟ هل لأن التغير إن توجه نحو مزيد من المحافظة لا يشكل قلقاً. هل هو تواطؤ، أم أن الأمر لم يتم بشكل يثير الانتباه، خاصة أنه حدث في السبعينيات، في وقت كان يشهد فيه المجتمع حدوث تغيرات دراماتيكية عديدة، ما يجعل تغييراً في عباءة المرأة مجرد تفصيل لا يلفت الانتباه؟

أماكن محظورة

في المقابل، في بدايات هذا القرن، حين قامت النساء بتلوين عباءاتهن كمن يلوِّن سجنه، قامت احتجاجات، ووصل الأمر حدَّ وضع قوانين وتعاميم رسمية جعلت بعض الأماكن محظوراً على «النساء الملوَّنات» دخولها. وأصبح ارتداء هذه العباءات الملونة تصريحاً بتوجه فكري ما. وبهذا، تحولت العباءة إلى أداة تمييز وتصنيف، من تريد أن تثبت أنها امرأة عصرية ومنفتحة ترتدي عباءة ملونة. وإن كانت تريد تمييز هويتها بشكل أدق - كأن تعلن مثلاً - أنها تعتز بانتمائها لإسلام منفتح وعصري فعليها لبس حجاب أبيض أو بيج مع عباءتها الملونة، كما يمكن لمن تريد أن تعلن عن عصريتها وربما ليبراليتها أن تزيل الطرحة عن الرأس بالكامل. لعل ما سبق ليس مجهولاً للقارئ.. ولكن هل هذا وحده ما يختصر علاقة المرأة بالعباءة، قيد يفرضه الآخرون بشكل مباشر أو غير مباشر، ليصبح عند البعض مجالاً للزينة؟

للعباءة.. وظيفة جديدة

في تجربة التدريس في جامعة مقصورة على النساء تعرفت على وظيفة جديدة للعباءة كما تُقدمها مرتدياتها. وفقاً لحديث إحدى المنتسبات لتلك الجامعة، حتى حدود عام 1995 تقريباً، لم يكن ارتداء العباءة داخل حرم الجامعة شائعاً كما هو الآن. الآن، تدخل قاعة محاضرة تضم ما بين 70- 100 طالبة، فتجدهن جميعاً يرتدين العباءة وطرحة الرأس، لا يكشفن إلا عن الوجه فقط، رغم خلوِّ المكان من الرجال تماماً. بدخول الأستاذة للقاعة، يصبح المشهد ساخراً، فهي وحدها التي لا ترتدي العباءة، وكأن الطالبات مستعدات لرحلة سفر، والأستاذة هي قائد الرحلة التي ستنطلق بعد قليل، إنها الكابتن، ألا يختلف زي الكابتن عادة؟ هذا المشهد في حقيقته، غالباً ما تستشعره الأستاذات، كما صرحن، بأن الطالبات لسن في قاعة محاضرة، بل هن في غرفة بوابة الجامعة، ينتظرن السائق ليحضر، ليضعن الغطاء على الوجه ويخرجن، والأستاذة عائق لهذا الخروج. تشعر الأستاذة بأن وجودها غير مرحب به، فهي كمن يُعطلهن عن الخروج من هذا المكان. إحساس اكتشفت أنه مشترك بين الأستاذات، بل إن بعض الأستاذات أصابتهن الريبة من إصرار الطالبات على ارتداء العباءة، لدرجة التشكك بأنها وسيلة تساعد على الغش في الاختبارات أو إخفاء أجهزة تسجيل! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا