• الخميس 07 شوال 1439هـ - 21 يونيو 2018م

من التفكير المتأمِّل والتسكّع إلى مسيرات الحريّة

الفكر الجوّال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 01 فبراير 2018

د- العادل خضر

من منّا مازال يذكر رائعة روبارت لي زيميكيس Robert Lee Zemeckis السّينمائية «فورِست غامب» Forrest Gump، الفيلم الحائز ستّة أوسكارات (1994)، إضافة إلى تكريم سنة 2011، من مؤسّسة «سجلّ الأفلام الوطنيّة» National Film Registry، الّتي تحتفظ في مكتبة الكونغرس كلّ سنة بحوالي خمسة وعشرين فيلما أمريكيّا لقيمتها الثّقافيّة والتّاريخيّة والجماليّة بعد أن يكون قد مرّ على صدور الفيلم عشر سنوات؟

من منّا لا يذكر تلك المشاهد الثّلاثة الّتي تصوّر البطل «فورست غامب» الّذي أدّى دوره ببراعة منقطعة النّظير توم هانكس Tom Hanks، وهو يركض ويركض كأنّ الرّكض في طفولته العسيرة لم يخلّصه من القضبان الحديديّة الّتي كانت تكبّل رجليه الكسيحتين فحسب، وإنّما من الأطفال الأشرار الّذين كانوا يلاحقونه بدرّاجاتهم ويرمونه بالحجارة.

مشهد الرّكض هذا تكرّر ثانية و«فورست غامب» في سنّ الشّباب، إلاّ أنّ ملاحقيه الجدد قد غيّروا درّاجاتهم بشاحنة صغيرة ظلّت تطارده إلى أن أكرهته على الدّخول إلى ملعب فوتبول أميركيّ، وهنالك شاهد الجمهور موهبةَ الرّكض السّريع عنده، فإذا به يصبح بين عشيّة وضحاها لاعبَ فوتبول شهيراً لا يستطيع إيقاف جموحه أحد عندما يمسك بالكرة ويظلّ يركض بها إلى خارج الملعب. في كلا المشهدين كان قادحُ الرّكض صرخةَ صديقته جينيفر أو جيني (تقمّصت الدّور روبن رايت Robin Wright): «اركض فورست اركض».

أمّا في المشهد الثّالث، فقد ظلّ «فواست غامب» يركض طيلة ثلاث سنوات دون هوادة ودون هدف واضح. طالت لحيته وشعره خلال أيّام الرّكض حتّى اتّخذ هيئة الصّالحين من الدّراويش، يجري النّاس معه، يسألونه أحياناً في مسائل شتّى، فيجيبهم بكلمات غامضة كالنّبوءات، ويرافقونه أحياناً كأنّهم من مريديه يتّبعونه دون أن يعرفوا لماذا يتّبعونه حتّى توقّف فجأة ذات يوم، وقال جملته الغريبة: «أنا متعب، أريد أن أعود إلى الدّيار»، كأنّه بهذه العبارة يشير إلى نهاية تيهه، وربّما نهاية حالة الجنون. فقد كان يُنظر قديما إلى الإنسان التّائه على أنّه مجنون. وكما خرج «فورست غامب» من منزله راكضا دون سبب، كذلك عاد إليه، بعد أن جاب أرجاء الولايات المتّحدة، دون سبب. فهذا البطل لا يفكّر في ما يجري من الأحداث، وإنّما يجد نفسه قد زُجّ فيها دون قصد ولا إرادة منه، وكان في كلّ مرّة يخرج من كلّ المآزق، في السّلم كما في الحرب، سليماً معافى، بفضل ركضه السّريع الّذي مكّنه من إنقاذ الكثير من الجنود الأميركيين من الموت في الحرب الفيتناميّة الرّهيبة، فنال بركضه وشجاعته وسام الأبطال.

اركضْ.. فكِّرْ

طيلة الفيلم، لا نرى «فورست غامب» إلاّ في هيئتين: إمّا راكضا فتنفتح على خلفيّة ركضه بوّابةُ التّاريخ على مصراعيها، فتنهمر منها صور تُمثّل «الحلم الأميركيّ» بعد الحرب العالميّة الثّانية، وهو يمرّ بحقب ساخنة سياسيّاً كحرب فيتنام، ومتقلّبة اجتماعيّاً كحركات السّود المناهضة للميز العنصريّ، أو تجمّعات الهيبيز السّلميّة، أو نراه جالساً على مقعد ينتظر قدوم الحافلة، وهو يقصّ على كلّ من يجلس بجانبه مغامرته الشّخصيّة الملتبسة التباساً كبيراً بتاريخ أميركا طيلة ثلاثة عقود من أواخر الخمسينيّات إلى أوائل الثّمانينيّات، إلاّ أنّه كان يقصّ ما يقصّ من منظوره الخاصّ، وبعيني رجل كان يُعاني منذ طفولته عسراً في المشي والنّطق والفكر. ولكنّه لمّا شبّ وكَبُر كان أقرب في شخصه الملائكيّ إلى الأبله منه إلى المتوحّد Autiste، هذا إذا اعتبرنا أنّ الأبله يُشبه الملاك، مع فارق مهمّ، وهو أنّ الملاك في اللّغة العربيّة والإغريقيّة يعني حامل الرّسالة أو الرّسالة ذاتها، أمّا الأبله فهو ملاك دون رسالة، أو رسول لا يحمل رسالة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا