• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

عندما يود «حزب الله» اللبناني التغطية على أنه مجرد فرع لـ«الحرس الثوري» الإيراني في لبنان يبادر بافتعال حرب ضد إسرائيل ليس لها مردود سوى تدمير البنية التحتية اللبنانية

العداء لإسرائيل... بالحناجر لا بالخناجر!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 24 فبراير 2016

محمد أبو كريشة*

عندما تعرض العراق للضرب، ثم الغزو بعد حرب تحرير الكويت، ثم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لجأ صدام حسين إلى إطلاق صواريخ بعيدة المدى على إسرائيل لم يكن لها أي تأثير أو أهمية... وعندما يتراجع التعاطف مع حركة «حماس» الفلسطينية تبادر بإطلاق صواريخ على مدن إسرائيل ليس لها أثر، ولا أهمية، ولا مردود سوى تدمير غزة. وعندما يود «حزب الله» اللبناني التغطية على أنه مجرد فرع لـ«الحرس الثوري» الإيراني في لبنان يبادر بافتعال حرب ضد إسرائيل ليس لها مردود سوى تدمير البنية التحتية اللبنانية التي لا تعني «حزب الله» في شيء، فهو مستعد للتضحية بلبنان واللبنانيين من أجل اكتساب تعاطف شعبي عربي زائف بوصفه خط المواجهة والمقاومة الأول ضد إسرائيل.

كان العداء لإسرائيل، وما زال وسيظل ورقة التوت التي يستر بها المستبدون والإرهابيون والعملاء والمفسدون في الأرض العربية عوراتهم وخطاياهم. وكان هذا العداء لإسرائيل، وما زال وسيظل إلى أجل غير مسمى إحدى الأسطوانات الفلكلورية العربية المشروخة. فكم من الجرائم والموبقات والذنوب ترتكب تحت عباءة العداء لإسرائيل ودثار وقميص نصرة القضية الفلسطينية.. وكم من الأرصدة تكدست في البنوك العالمية لمن لبسوا هذا القميص، ورددوا هذه الأسطوانة الفلكلورية المشروخة.

وقد دخلت إيران الأمة العربية من كل أبوابها، وتدخلت حتى في (ملابسها الداخلية)، وليس فقط في شؤونها الداخلية، وهي ترتدي قميص العداء لإسرائيل، وتضع قبعة القضية الفلسطينية على رؤوس الملالي. وقوبلت إيران بترحاب شعبي عربي لأنها تردد أسطوانة العداء لإسرائيل ونصرة القدس وتحريرها، وتم وضع كل من يهاجم «حزب الله» اللبناني، ومن ينتقد أداء حركة «حماس»، ومن يعادي النهج الإيراني في خانة المؤيد والعميل للصهيونية، وإسرائيل حتى أن العداء لإيران هو النسخة العربية للعداء للسامية في الغرب.

والزعماء العرب، ومنهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اكتسبوا الزعامة والزخم والشعبية بالعداء لإسرائيل ونصرة القضية الفلسطينية حتى إذا كان هذا العداء لإسرائيل شكلياً وحنجورياً دون إلقاء مجرد حجر على إسرائيل. وكان هؤلاء الزعماء مغفوري الذنوب ومعذورين في رأي الشعوب العربية التي أعطتهم توقيعاً على بياض فيه جملة واحدة: (كن عدواً لإسرائيل وافعل ما شئت).. وهكذا حصل كثير من الزعماء العرب ومنهم صدام حسين على صك استبداد وقهر وظلم بوصفهم أعداء لإسرائيل رغم أن عداءهم في معظم الأحيان شعاري حنجوري وقولي ولم يكن أبداً فعلاً.

وفي المقابل التقي تيار الإسلام السياسي والتيار القومي في نقطة واحدة، وهي الاغتيال المعنوي والسياسي والتصفية الجسدية أيضاً للزعماء الذين ابتدعوا نهج التفاوض والسلام مع إسرائيل، ومنهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتم تشويه هؤلاء وطمس كل إنجازاتهم، بل واختراع ذنوب وخطايا وجرائم وهمية لهم ووصمهم بالخيانة والعمالة. ولم يفكر أحد حتى الآن في رد الاعتبار للسادات رغم أن العرب جميعاً ساروا على نهجه بعد أربعة عشر عاماً من زيارته الشهيرة للقدس، واعتمد العرب في كل قممهم واجتماعاتهم المبدأ الشهير، وهو أن السلام مع إسرائيل خيار استراتيجي.

كل نجوم السياسة والقلم والتحليل في الأمة العربية اكتسبوا نجوميتهم وذيوعهم وشهرتهم وأموالهم الطائلة أيضاً من الأغنية الفلكلورية الشهيرة (العداء لإسرائيل).. والأهم أن الشعوب العربية سارت خلف هؤلاء معصوبة العيون ورددت الأغنية خلفهم مثل (الكورس) خلف المطرب دون أن يسأل أحد نفسه: (ماذا جنينا؟ ماذا حصدنا؟) غير قبض الريح والشعارات التي تجلب التصفيق والهتاف مثل (صراعنا مع إسرائيل صراع وجود لا حدود) (وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر).

وقد تصرف نجوم السياسة والتحليل والكتابة والقول نفس تصرف صناع أفلام المقاولات التي هي مجرد (إفيهات وشعارات) تحت عنوان (الجمهور عاوز كدة)... وعندما يراد إعطاء شعبية لأي فنان أو فيلم يتم إقحام حرق علم إسرائيل رغم أن أحداث الفيلم كوميدية ومبتذلة وسخيفة... حتى ذلك المطرب أو المؤدي الذي يسمونه شعبياً والمدعو شعبان عبد الرحيم اكتسب شعبية جارفة لمجرد أنه أدى أغنية (أنا باكره إسرائيل). وجماعة «الإخوان» أكثر من أجاد هذه اللعبة، وأفضل من أدى الأغنية الفلكلورية وأدار أسطوانة العداء لإسرائيل، وطربت لها الشعوب العربية المغيبة الوعي تماماً. ولم يحدث أبداً أن «الإخوان» بفروعهم المختلفة في الأمة العربية كانوا أعداء بالفعل لإسرائيل. ولم يحدث أبداً أن إيران التي تطبق النسخة الشيعية للنسق «الإخواني» كانت يوماً ما عدواً لإسرائيل، بل إن التحالف الحقيقي بين إيران و«حزب الله» وجماعة «الإخوان» وفروعها الإرهابية كان ضد كل ما هو عربي وليس ضد إسرائيل. ومظاهرات «الإخوان»، التي كانت تتزامن مع أي عدوان إسرائيلي على غزة كانت دوماً لنصرة «حماس» لا لنصرة القضية الفلسطينية، ولم نر يوماً مظاهرة إخوانية تزامنت مع أي عدوان إسرائيلي على الضفة الغربية والقدس. وكان الشعار المكرر والممل في مظاهرات الإخوان دوماً هو (شهداء بالملايين على غزة رايحين)... ولا أدري لماذا قالوا (شهداء بالملايين ولم يقولوا: (أبطال بالملايين). لماذا الموت وليس النصر؟

وإسرائيل كانت دوماً أكثر المستمتعين بهذه الأسطوانة العربية المشروخة لأنها تحقق لها الهدف الأسمى، وهو تعميق الانقسام العربي وتوسيع الهوة بين الدول الوطنية والشعوب وترسيخ دور الميليشيات في المشهد العربي، خصوصاً أن العداء لها مجرد حناجر ولا يرقى إلى مستوى الخناجر، وحتى الآن لا يستطيع أحد أو لا تواتي الشجاعة أحداً لينزع ورقة التوت الإسرائيلية أو يكسر أسطوانة العداء لإسرائيل لأن كل الفرقاء ما زالوا يكتسبون شرعيتهم من خلال أيهم أكثر عداء لإسرائيل بالحناجر لا بالخناجر!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا