• الأحد 02 ذي القعدة 1439هـ - 15 يوليو 2018م

المخرجة «لين رامزي» تشتغل على قمع الوحشية وإفرازاتها

«لم تكن هنا حقاً أبداً».. بل تائه في مستنقع الذكريات!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 ديسمبر 2017

نوف الموسى (دبي)

تنوعت الإنتاجات الإبداعية السينمائية في أشكال تفسيرها للوحشية في الممارسات البشرية. فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتخلص من بني جنسه، بعنف شديد، يصل أحياناً حدود الرغبة، والقتل هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك. وفي كل مره يستمر البحث في أعماق هذا الشذوذ غير المنسجم مع الطبيعة الكونية، يتوصل الباحثون إلى تنوع الأسباب والمنطلقات. وفي فيلم «لم تكن هنا حقاً أبداً» للمخرجة لين رامزي، يحضر الممثل خواكين فينيكس في دور الشخصية جو، التائه تماماً في مستنع الذكريات، التي تجوب في كل لحظة من حياة جو بشكل عشوائي غير مفهوم وغامض، بين ذكريات للحرب وذكريات للطفولة، تتردد على مسامعه بشكل دائم جملة متكررة: ماذا أفعل هنا؟ ومعالجة المخرجة لين رامزي من خلال اشتغالها على إفرازات قمع الوحشية في دواخل الإنسان، يوحي بأثر الذكرى الباعثة للألم ومساراتها في تضخيم الوهم، وتراكم يستدعي تأمله بشكل أكثر وعي، فأهمية هذه المسألة أن «الذكرى»، باعتبارها فكرة واهية لا يمكن تخيل مدى حجمها أو قوتها أو ما يمكنها أن تفعله بالإنسان، ما يجعل توقع النتائج في العادة غير دقيقة أو بعيدة عن إدراك الإنسان لها.

حصد فيلم «لم تكن هنا حقاً أبداً» جائزة أفضل ممثل وأفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي الدولي الـ70، لمناقشته فضاءات مجهولة في العمق الإنساني. يمثل الفيلم رحلة البحث دون وجهة محددة، وإنما صياغة لقدرية متباينة واكتشاف ما يمكن أن يفعله جو الذي يعمل كقاتل مأجور، عندما يتم تكليفه بمهمة إحضار فتاة في سن المراهقة تدعى «نينا» ابنة سياسي يدعى السيناتور فوتو، تم اختطافها من عصابة الاتجار بالجنس، مفضلاً فوتو ألا يطلب مساعدة السلطات، بل قرر تكليف جو أن يحضر له ابنته، شرط أن يتسبب بأذى شديد للمختطفين. يستخدم جو في كل عمليات التصفية التي يوافق على إنجازها «الـمطرقة» كأداة لإنهاء حياة الأشخاص، تلك الضربة القاضية على الرأس، وأحياناً أخرى على الجسم. في لحظة عثوره على نينا، تخلص جو من جميع الموجودين هناك. في مشهد عفوي قامت نينا باحتضانه وشكره على مساعدتها، وأثناء انتظارهما لوالد نينا ليسلم جو الفتاة، تم إعلان انتحار والدها عبر التلفاز في فندق صغير استأجره جو، ليتفاجأ بدخول مجموعة الأمن إلى غرفة الفندق وتختطف نينا وترغب في تصفيته، إلا أنه لاذ بالفرار.

ظهور رجال من الأمن الخاص بالدولة، بعث في نفس جو الريبة، بأن هناك شيئاً غامضاً لا يدركه، فقط تم تصفية جميع من يعرفهم، بمن فيهم أمه، التي نالت رصاصة في عينيها. في مشهد رؤيته لمقتل والدته، تهجم على المعتدين، الذي كانوا يجوبون البيت ببدل رسمية تعود إلى عاملين في أمن الشخصيات السياسية، أخبره أحدهم وهو في حالة ما قبل الموت أن نينا الآن عند رئيس سياسي معروف، وأوضح له بأن الفتيات الصغار، تجارة مفضلة فيما بينهم. جسدت المخرجة لين رامزي المشهد في نهايته بأن جو ينبطح على الأرض موازياً الشخص المقبل على الموت، يبدأون بالغناء معاً، وقتها يمسك الرجل يدي جو مودعاً، إنه العزاء اللامتناهي، حزن جو الممتد، والرحيل الذي مقبل عليه هذا الرجل بعد قتله للعجوز وهي نائمة.

المشاهد الإنسانية غير الاعتيادية لشخصية جو متعددة في الفيلم، صورتها المخرجة على أنها البعد المدهش في الروح، منها قبول جو لطلب إحدى الفتيات في الشارع، بأن يلتقط صورة جماعية لها ولصديقاتها، توقف جو ليتأمل ابتسامتهن ويلتقط لهن الصور، وهو ما لا يعكس أحياناً وحشية جو. إضافة إلى مشهد اهتمامه الدائم بأمه، فبعد أن يدخل جو إلى البيت يتحول إلى شخص مختلف، عبر احتفائه الحنون بصوتها وحديثها الدائم عن مساحتها الخاصة التي تطالب بها.

يقرر جو الذهاب إلى بيت الرئيس السياسي المعروف، وبوحشيته المعهودة يتخلص من كل الموجودين، ويحمل معه نينا لخارج هذا العالم غير المنسجم، على طاولة طعام في أحد المطاعم الخارجية جلس جو ونينا، يتأملان بعضهما بعضاً، تسأل نينا إلى أين سنذهب الآن، ليجيب جو: لا أدري، في هذا المشهد تحديداً لم توضح طبيعة العلاقة بين نينا وجو، ومدى تطورها أو طبيعة خطوطها المستقبلية، إلا أن جو في مشهد طاولة المطعم يتخيل بأنه يقتل نفسه بطلق ناري، يتجلى للمشاهد بأنه حقيقي، بمناداة نينا له يستيقظ جو، يستوعب أنها مجرد فكرة متخيلة، وبأنه لم يكن يوماً هنا حقاً أبداً. ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان جو يتخيل كل شيء؟!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا