• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

أثر الكلمات حين تظهر وحشيتها وجنونها ورقّتها

اجعلني أتخيّل أني وقعتُ في الحُب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 ديسمبر 2017

إعداد وتقديم: عماد فؤاد

سيطرت عليّ الكثير من الأفكار وأنا أعدّ هذه الحلقة، لم تكن أفكارًا في الحقيقة بقدر ما كانت هواجس وهذيانات لها علاقة باللغة، ربما من أثر النصوص ذاتها، أثر الكلمات حين تظهر وحشيتها وعنفها وجنونها ورقّتها وغنجها لتستنّ سحرها الخاص بنفسها، السحر الناتج عن تجاورها جنبًا إلى جنب، لتصنع - جملة وراء جملة - ما نسمّيه المعنى، حتى تكتمل في صورة نصّ لا يشبه سواه.

الأبجديات عديدة، تزيد حروفها في لغة وتنقص في أخرى، لكنها تبقى المفتاح الوحيد الذي يُمكِّننا من التعبير عن أنفسنا، أيًا كان لوننا أو عرقنا أو سلالتنا، ديننا أو مذهبنا أو طائفتنا، كلّنا نعبّر عن أنفسنا بالوسيلة ذاتها؛ اللغة.. الرئة الأولى التي أخرجت ما بداخلنا من تناقضات وجنون في أصوات مسموعة، مؤكّد أن ما أقوله الآن له علاقة مباشرة بنص البحريني مهدي سلمان، دائمًا ما أصف مهدي بأنه «لا يكف عن التجريب داخل نصه»، يُنكِّل سلمان بفمه / لغته / لسانه في نصه الملحمي ذي الوقع السريع واللاهث، بحثًا عن إجابات لأسئلة لا إجابات لها: «منذ أي أزل / بنتْ عناكب القواميس / بيوتها الهزيلة تحت لسان الشِّعر»؟

ومن سؤال سلمان إلى حكاية لؤي حمزة عباس: رجلان يتحدثان عن قناص عاد إلى منزله، تتكوّن القصة من خلال الحوار وحده، نرى المشاهد جملة وراء جملة كما لو كنّا ننظر من عين بندقية يرفعها قناص مصوبًا على قلب ضحية لا تعرف عن أجلها شيئًا، هذا الرعب المشهدي يقابله انكسار عين القناص وهو ينظر إلى أصابعه: «أنزل نظراته عنّي، إنه ينظر ليديه الآن، يتفحّص أصابعه المشبوكة ويقول: ما يُقلقني حقًا هو بأية عين يعيش»؟

سؤال آخر لا إجابة له، والغريب في الأمر أنني حين رتبت النصوص، وجدت الشاعر السوري المقيم بألمانيا عارف حمزة يبدأ قصيدته هكذا: «تمّ قتلي عشرات المرّات / في حرب مملّة كهذه الحرب / عشرات المرّات بسبب الملل / وسبع مرّات على يد الأمل / أمّا أجمل مرّتين / فكانتا / على يد قنّاص عنيد»..

أفكّر أحيانًا في المعنى الذي يحمله كلّ منّا لكلمة «لعنة» أو «حياة» مثلًا، مؤكّد أنّ لكل منّا انطباعه الخاص عن المعاني التي تحيلها الكلمات بداخله، بالضبط كما أن لكل منا انطباعه الخاص عن كلمات أخرى: حرية، ولادة، بنت، حرب، لسان.. إلخ، لكني وجدتني فجأة أرجع إلى سطور من قصيدة المصرية هدى عمران تقول فيها: «اجعلني رقيقة / كما أبدو لنفسي حينما أتخيّل أني وقعتُ في الحُب / اجعلني أتخيّل أني وقعتُ في الحُب / اجعلني أتخيّل أني سأتألم بعنف إذا ذهبت بعيدًا / ثم اذهب بعيدًا». سحر الأبجديات واللغات والآداب والفنون كلها كامن في كلمة «اجعلني أتخيّل» الجميلة هذه يا هدى!

غربان تنمو تحت لساني ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا