• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

عن العاطفة وأدب الكينونة في رسائل حنّا أرندت ومارتن هيدغر

امتحان الحبّ.. الفلسفي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 ديسمبر 2017

د. فتحي المسكيني

ما بين 1925 و1975 تبادل مارتن هيدغر وحنّا آرندت ـ وهما من أقطاب الفلسفة المعاصرة ـ رسائل حبّ فلسفيّة، كان لابدّ أن تتحوّل منذ نشرها إلى وثيقة أخلاقية رائعة على المفارقات الصامتة التي تكتنف المشاعر الإنسانية، ولاسيّما عندما تكون مشاعر مستحيلة أو ممنوعة.

بلا ريب إنّ موضوعة الحبّ قديمة قدم الفلسفة نفسها، حيث خصّص لها أفلاطون محاورتين فلسفيّتين شهيرتين هما «فيدروس» و»المأدبة»، حيث يسرد أسطورة تقول بأنّ الإنسان في أصله كان دائرة لكنّ الإله زوس قد قطعها إلى نصفين، كما نقطع بيضة بشعرة حادة، ومنذئذ ونحن نتيه في العالم بحثاً عن النصف الآخر. وهناك أيضاً تاريخ فلسفي طويل عن الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار، مروراً بأسماء كثيرة من قبيل سبينوزا وكيركغارد ونيتشه. ومع ذلك فإنّ رسائل حنّا وهيدغر تحتوي على تجربة فريدة من نوعها. ليس فقط لأنّ العاشقين فيلسوفان بل لأنّ الحبّ غير مسبوق دائماً. إنّه لا يكرّر أحداً. وليس ذلك لأنّه أنانيّ مثل أيّ حيوان فانٍ، بل لأنّه مخترَق دوما من قوة لا يراها ولا يعرفها.

خارج التملّك

قال لها في أوّل رسالة: «لن أستطيع امتلاكك أبدا، لكنّك ستنتمين منذ الآن إلى حياتي» (ص41). يضع هيدغر الحبّ خارج التملّك لكنّه لا يضعه بذلك خارج الانتماء. نحن ننتمي إلى الذين نحبّهم دون أن نستطيع امتلاكهم. وهكذا هو يحرّر معنى الحبّ من تاريخ الرغبة الذي يحوم حوله. هذا التقابل اللطيف بين التملّك والانتماء ليس انفعالاً حزيناً، بل هو نوع غريب من الشكر هو الذي يقود المحبّين إلى توقّع هويات جديدة لأنفسهم تتجاوز طاقتهم. كلّ حبّ كبير هو تمرين على فرح لا يمكن احتماله إلاّ بتشويهه. قال لها: «نودّ أن نحافظ في داخلنا على لقائنا كهديّة... يعني لا يجب أن نتخيّله كصداقة روحية، لم توجد أبداً بين البشر» (ص42). يضعنا هيدغر هنا أمام غموض من نوع خاص: إذْ أنّ ما يتجاوز طاقتنا لا يعني أنّه ليس بشريّاً. ولذلك فإنّ معاملة الحب وكأنّه صداقة روحية ليست من عالم البشر هو تشويه له وليس تسامياً به إلاّ في الظاهر. من يذهب بالحب إلى ما فوق البشر يشوّهه لأنّه يكسر ماهيته البشرية.

قال لها: «لماذا يكون الحبّ فوق طاقة كل الإمكانيات الإنسانية الأخرى ويكون ثقلاً حلواً بالنسبة إلى المحبّ؟ لأنّنا نتحوّل إلى ما نحبّه، لكننا نبقى نحن أنفسنا. ذلك أنّنا نريد أن نشكر من نحب، لكن لا نجد أي شيء كاف لهذا الشكر» (ص43).

الشكر والفرح ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا