• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

توقف القتال لا يعني التهدئة والشرعية مطالبة بالحكمة والحزم لمواجهة الملفات الشائكة

مستقبل اليمن بعد الحرب: تساؤلات وآفاق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 10 أغسطس 2015

عبدالغني الماوري (صنعاء) بعد مرور نحو مائة وأربعين يوما على بدء حرب استعادة الشرعية في اليمن، تشير التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة إلى أننا نعيش لحظاتها الأخيرة. لكن توقف القتال لا يعني أن الأمور تتجه للتهدئة، فثمة ملفات شائكة بدأت وستبدأ في الظهور تباعا، لذا سيكون من المهم أن تتعامل السلطة الشرعية بقدر كبير من الحكمة والحزم والنزاهة. يجب التفكير في اليوم التالي لما بعد الحرب بطريقة مختلفة وعادلة. حرب للاستحواذ بعيدا عن المبالغات التي تُفسر بها الحرب الدائرة في اليمن، فإنه يمكن القول إنها قامت أساسا ضد فكرة الأقاليم، فصالح والحوثي يدركان أن تحول اليمن لدولة اتحادية يفقدهما السيطرة والنفوذ على اليمن بأكمله. لقد كان إصرار الرئيس عبدربه منصور هادي على المضي في هذا الخيار سببا كافيا لمحاولة التخلص منه. صحيح أن هناك أسبابا تخص كلا من صالح والحوثي على حدة، لكنهما يشتركان في قضية واحدة، وهي رفض أي فكرة من شأنها إحداث أي تغيير على صعيد السلطة والأرض، ومن هنا يمكن القول إن هذه الحرب ليست سوى حرب دفاعية لمنع تفكيك الجغرافيا في المقام الأول، وفقا لوجهة نظر تحالف صالح-الحوثي، فيما الحقيقة أن ما يقال إنه تفكيك للجغرافيا لم يكن إلا تفكيك لشبكة المصالح غير المشروعة التي يمسك بها صالح، والتي يعتقد الحوثي أنه سيرثها ذات يوم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن اصرار الحوثي على «دسترة» وجوده في السلطة كان سبباً في تأزيم الوضع وصولا للحرب، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى اتفاق «السلم والشراكة» الذي تم توقيعه تحت تهديد السلاح غداة احتلال مليشياته وبإسناد من قوات الحرس الجمهوري العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، وهو الاتفاق الذي يعطي «الحوثيين» وضعا خاصا داخل النظام السياسي، لكن حالة الانهيار التي أصابت خصومهم السياسيين أغرتهم وحليفهم المستجد (صالح) باستكمال الانقلاب على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ومن ضمنها الدستور والأقاليم. يعرّف الحوثي الشراكة بأنها حصته الدائمة في السلطة التنفيذية، وفي مؤسسات الجيش والأمن، والثروة والوظائف، بغض النظر عن أي شيء آخر، وهذا الأمر كان يعني ببساطة أن انقلابا قد حدث ضد الديمقراطية الناشئة والنظام السياسي قيد التبلور، وليس ضد سلطة الرئيس هادي وحسب. بتعبير أكثر وضوحا: السلطة والثروة مسائل تخص صالح والحوثي، وثمة قدر يسير منهما يمكن تدبره للآخرين، بما في ذلك الرئيس الشرعي نفسه. أسئلة ومخاوف مع إحراز المقاومة الشعبية والجيش الوطني الموالي للشرعية انتصارات كبيرة على جميع الجبهات، تثور أسئلة كثيرة حول كل شيء تقريبا، لكن الأسئلة الأكثر تداولا ونقاشا هي تلك التي تتعلق بمدى بقاء اليمن موحدا، وقدرة اليمنيين على تجاوز ما أحدثته الحرب من شقوق هائلة في النسيج الاجتماعي، ومدى نجاح الرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته في تطبيع الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في ظل مخاوف من فشل سياسي تتسبب في حدوثه السلطة القائمة أو القوى السياسية الفاعلة التي سيكون على عاتقها مسؤولية كبرى في عدم الانجرار مجددا للفوضى والحرب. يمكن في هذا السياق الحديث عن خمسة قوى رئيسة ستمسك بتفاصيل المشهد السياسي وستصوغه في مرحلة ما بعد الحرب، وهي: الرئيس وحكومته، المقاومة الشعبية، المؤتمر الشعبي العام، جماعات الإسلام السياسي، قوى الحراك الجنوبي. ومن المتوقع، تبعا لذلك، أن تبرز مشكلات كبيرة تهدد ما تم إنجازه من استعادة للشرعية وإنهاء للانقلاب، نتيجة أن هذه القوى تحفل بتناقضات كبيرة داخلها، وهو الأمر الذي يوجب على التحالف أن يقوم بجهد سياسي كبير في سياق إعادة ترتيب المشهد السياسي بما يساعد على إطلاق عملية سياسية أكثر عقلانية ورشدا. سيكون من المهم أن تراقب دول التحالف طريقة أداء هادي ونائبه خالد بحاح وما إذا كانا يتصرفان كسلطة واحدة أو كسلطتين متنافستين، ذلك أنه من الضروري أن يكون هناك وحدة على صعيد السلطة السياسية، وإلا فإن الأوضاع سوف تتعقد أكثر مما ينبغي. وعلاوةً على ذلك، فإن من المهم عدم السماح باتخاذ قرارات ارتجالية أو عشوائية تؤدي في نهاية المطاف لضرب فكرة الدولة مجددا. إن قرار دمج المقاومة الشعبية ضمن الجيش الوطني يُعد قرارا صائبا للغاية، وليس صحيحا ما يشاع في هذا الشأن من أن هذه حيلة من الرئيس لسرقة انتصارات المقاومة، ففي النهاية لا يمكن لليمن أن يعيش استقرارا في ظل وجود جهتين تملكان السلاح. وفي هذا الإطار، يجب المضي في عملية إعادة بناء الجيش وفق محددات وطنية، ومما لا شك فيه، أن هذه المهمة يجب أن تتم باحترافية عالية، وبإشراف دول التحالف والدول الصديقة، فمن خلال التجارب السابقة يمكن القول إن الجيش اليمني هو المكان المفضل للسياسيين لعقد الصفقات المشبوهة والترضيات غير المشروعة. وسيكون على التحالف العربي ضمان أن تكون العملية السياسية متوازنة، بحيث لا يسمح بإقصاء أي طرف ما عدا تلك التي لا تلتزم بقواعد العمل السياسي المتعارف عليها من نبذ للعنف، وإيمان بالدولة والديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد يكون من المهم الإشارة إلى أن لا أحد بمقدوره التنبؤ بمدى شعبية القوى السياسية ما بعد الحرب. وعلى سبيل المثال، فإن مستقبل المؤتمر الشعبي العام بعد تحالفه مع جماعة الحوثي سيظل محل تساؤل، وسيكون على هادي (أو من سيحل محله) البدء في استعادة المؤتمر ومأسسته، بحيث يتخلص من سطوة وتحكم الرئيس السابق وعائلته، وهو الأمر الذي سيساهم في خلق توازن سياسي مطلوب في هذه المرحلة، وأي تهاون في هذه المسألة تحديدا سيصب في مصلحة جماعات الإسلام السياسي بجناحيه الإخواني والحوثي، الأمر الذي ستزيد معه حالة الاستقطاب المذهبي خصوصا في شمال الشمال. إن من الضروري عدم السماح لجماعة الحوثي بامتلاك السلاح، أو بفرض وصاية من أي نوع على مناطق في صعدة، كما أنه من الضروري عدم السماح لأي جماعة دينية مثل الإخوان المسلمين أن تحصد بمفردها ثمار الحرب، فهذا سيدخل المجتمع في أزمة عميقة يصعب التنبؤ بنتائجها. ولحسن الحظ، فإن تيار الإخوان المسلمين ليس العنصر الوحيد الذي يشكّل التجمع اليمني للإصلاح، فهناك تيار مدني يتنامى داخله باستمرار، ولديه توجهات مختلفة إلى حد كبير مع التعاليم الصارمة للإخوان. وبالإضافة إلى ذلك، فحزب الإصلاح يحوي على جناح قبلي، يمكن القول أنه إقرب إلى أن يكون محافظا أكثر منه إسلاميا، ويمضي خلف مصالحه أكثر من شيء آخر. بالرغم من هذه الحقائق، ثمة مخاوف كبيرة من أن تكون الصورة غير واضحة لدى قوتي «أنصار الله» (الحوثيون) و»التجمع اليمني للإصلاح» (الإخوان المسلمون) فتعمد الأولى للتحايل تمهيدا للعودة من بوابة القوة والعنف، وتعمد الثانية للاستقواء، كونها ستخرج من هذه الحرب بأقل الأضرار مقارنةً بغيرها من القوى، وربما تطالب بإجراء انتخابات عاجلة قبل الانتهاء من ترتيب البيت الداخلي وبناء المؤسسات بطريقة صحيحة. من المؤكد أن العملية السياسية ستبدأ في الدوران فور انتهاء الحرب، وهذا قد يثير غضب البعض الذي لديه رغبة في الانتقام، وهو ما يجب التنبه له من الآن. فحدوث عمليات ثأر سياسية سيعيد البلاد للفوضى والحرب. ويأتي تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قبل أيام، والذي أكد فيه على أن الحوثيين جزء من الشعب اليمني، ولديهم دور ليلعبوه في مستقبل بلادهم، لكن لا يمكن أن يكون لهم دور خاص، أو تشكيل مليشيات خارج إطار الحكومة، في هذا السياق، إذ لن يكون مسموحا لأحد التصرف وفق نزواته الخاصة، وهذا أمر مطمئن إلى حد كبير. لكن هذا الاحتواء لا يجب أن يمنع محاسبة الأشخاص الذين ساهموا في استباحة الدولة على هذا النحو المريع، لا يجب التفكير في إعطاء حصانات من أي نوع، فقد أثبتت التجارب أنها بمثابة المصل الذي يقوي القاتل ولا يساعده على التخلص من أمراضه. وما يجب أن يدركه الجميع، أنه لن يكون بمقدور اليمن السير نحو المستقبل دون إعمال الحد الأدنى من العدالة، الأمر الذي سيضع حدا لفكرة سيئة الصيت وواسعة الانتشار، وهي الإفلات من العقاب. آفاق ما بعد الحرب منذ بدء «عاصفة الحزم» نهاية مارس الماضي، تعالت الأصوات الجنوبية المطالبة بفك الارتباط وعودة الأوضاع لما قبل تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990. ويذهب مؤيدو هذا الخيار إلى أن هذه فرصة لا يجب إهدارها، خصوصا أن الخليج سوف يكون مجبرا على دعم إعمار وتنمية الجنوب وهو الأمر الذي لن يحدث فيما يتعلق بالشمال. وبعيدا عما إذا كان مثل التوجه مشروعا أم لا، فإن تقسيم اليمن علاوةً على أنه يضرب مصداقية دول التحالف العربي التي أعلنت أن عملياتها الحربية تهدف إلى الدفاع عن الشرعية وعن وحدة البلاد، فإنه يقدم شمال البلاد بكل موارده وسكانه الذين يقاربون العشرين المليون نسمة هدية مجانية لإيران، الأمر الذي سوف يشكل تهديدا مباشرا للمملكة العربية السعودية ولدول الخليج العربي. ثمة حقيقة جديرة بالتأكيد في هذا السياق، وهي أن الجنوب والشمال على حد سواء جرى فيهما تغيرات وتحولات كبيرة على مدار خمسة وعشرين عاما، فلم يعد الشمال شمالا، وكذلك الجنوب لم يعد جنوبا، وأي توجه لفرض حالة انفصالية من أي نوع سينتهي بتعميم حالات أخرى، وحينها فقط سيكون من الصعب استعادة الدولة مرة أخرى، إذ سنكون أمام تنظيميات ومليشيات مسلحة متصارعة، ومن المؤكد أن تنظيم القاعدة و»داعش» ستجد نفسها أمام فرصة تاريخية لنشر العنف والإرهاب في المنطقة، خصوصا إذا تم محاصرتهما في العراق وسوريا. لقد كان هادي واضحا فيما يتعلق بالمستقبل، وأكد مرارا وتكرارا، أن اليمن القديم انتهى، وأن الشمال لن يبقى شمالا، والجنوب لن يبقى جنوبا، فهناك يمن جديد اتحادي يتكون من ستة أقاليم، ويبدو أن هذا السيناريو هو الأكثر قبولا لدى اليمنيين، ولدى الإقليم، وحتى الأطراف الدولية باتت مقتنعة بأن الحل في اليمن هو في وجود دولة اتحادية مكونة من ستة أقاليم، وليس حتى من إقليمين كما كان يطالب الحزب الاشتراكي والحوثيين. من الأفضل، إذن، التحرك تحت عناوين ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن، ومحاصرة أي مغامرة من أي طرف تريد أخذ اليمن إلى المجهول. ما يجب أن تتذكره القوى اليمنية أن هذه الحرب قامت أساسا لأن هناك جهة قامت بالانقلاب على الشرعية وعلى توافق اليمنيين في مؤتمر الحوار، ولذا سيكون من الخطأ الاعتقاد بأنه يمكن التلاعب بهاتين المسألتين دون رد حاسم يعيد الأمور لنصابها. ستنتهي الحرب، لكن هناك أشياء كثيرة يجب القيام بها على صعيد استعادة فكرة الدولة، وبناء المؤسسات على أسس وطنية وفي مقدمتها مؤسستي الجيش والأمن، والقضاء، وإعادة الإعمار، ومعالجة الوضع الاقتصادي المنهار، وإيجاد حلول سريعة لموضوع تردي الخدمات، وخصوصا المياه والكهرباء والمستشفيات، وقبل ذلك، لقد أحدثت هذه الحرب تصدعات خطيرة في النسيج الاجتماعي، ولذا يجب بذل جهود واسعة لترميم الذاكرة الوطنية وإصلاحها، ونشر قيم السلام والتسامح وحكم القانون وسيادته على الجميع.

     
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا