• السبت 10 رمضان 1439هـ - 26 مايو 2018م

لم تنجح أي حملة مقاطعة عربية شعبية حتى للدنمارك أيام الأفلام والرسوم المسيئة، ولم تنجح مقاطعة فرنسا أو هولندا، ولن تنجح مقاطعة أميركا. والمقاطعة هي السلاح الوحيد الذي يجعل العرب مخيفين لأعدائهم

لا خوف منهم.. ولا أمان لهم!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 13 ديسمبر 2017

محمد أبو كريشة*

جميل جداً أن نغضب ونتظاهر ونهتف ونصرخ ونبكي من أجل القدس، لكن غير الجميل أن تكون القدس مجرد لافتة أو عنوان تحته موضوع آخر، أو أجندات أخرى لا علاقة لها بالقدس أو قرار ترامب غير المسؤول وغير الرشيد بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.. ومن غير المبرر ولا المقبول، ولا المنطقي أن تهتف المظاهرات في فلسطين وبعض الدول العربية ضد الحكام العرب، وفي اللحظة نفسها تهتف للنظام التركي ومواقفه المشرفة، أو للنظام الإيراني ومواقفه المبدئية من القدس والقضية الفلسطينية، وهنا يتساءل المرء، أي مواقف مشرفة هذه لنظامين بينهما وبين إسرائيل تحالف استراتيجي أحدهما سري بالنسبة لإيران، والآخر علني فيما يتعلق بتركيا؟ ولا تفسير لهذا الذي حدث ويحدث سوى أن الطائفي والحزبي والإرهابي وذوي الأجندات الخبيثة ركبوا موجة الغضب العربي كما اعتادوا دائماً.. وكما فعلوا في ذلك الذي سمي «الربيع العربي».. لا تفسير سوى أن هؤلاء يحاولون دوماً أن يخطفوا الغضب العربي أو الوطنية الشعبية العربية لمصلحة أجنداتهم التي لا وجود للقدس والقضية الفلسطينية فيها، وإنما هما مجرد كلمات حق يراد بها باطل ومجرد قميص عثمان لإشعال الفتن والفوضى.

والمأساة أن الرأي العام العربي مخطوف بالفعل لمصلحة هؤلاء الذين تعاملوا معه كقطيع يُساق إلى حيث يريدون، وأن الإعلام العربي بشكل عام، سواء الصحفي أو الفضائي أو المواقعي يخشى السباحة ضد تيار هذه الطوائف والجماعات، وأصبح هو الآخر مقوداً لا قائداً للرأي العام أو القطيع، وهناك إعلاميون كثيرون يعرفون جيداً هذه الأجندات والتوجهات، ويخشون البوح بها خوفاً من أن يقال إنهم مع قرار ترامب أو ضد القدس أو ضد القضية الفلسطينية. تماماً كما فعلوا في أثناء الخريف العربي عندما ساروا مع القطيع، وخاضوا مع الخائضين، وزادوا على ذلك بأن روجوا وهتفوا وهللوا لهذا الخريف. وكل ذلك خوفاً من رميهم بالخيانة أو العمالة وبيع القضية وموالاة الأنظمة الخائنة (وهذا الكلام الكبير الأجوف).

عموماً في الفتن وعندما تشتعل الفوضى يكون رأي السفهاء هو الفائز والأعلى كعباً، بل إن رأي سفيه واحد يفوق رأس ألف حليم وألف حكيم. فلا مكان ولا أحد يستمع في الفتن إلى آراء الحلماء والحكماء والوطنيين والعقلاء. ولا نسمع الادعاء ونداء كالغراب الذي ينعق بما لا يسمع (واقدساه.. واعروبتاه.. وإسلاماه.. واحسرتاه) مع كثير من السب والقذف والتطاول على الحكام العرب وكثير من الهتاف لإيران وتركيا. وكثير من الموت لأميركا والموت لإسرائيل). هم يقتلون أميركا وإسرائيل بألسنتهم ويقتلون العرب بأسلحتهم وعبواتهم الناسفة وقنابلهم وأحزمة انتحارييهم.. وتفوقوا على إسرائيل وأميركا في عدد قتلانا بأيديهم.

المظاهرات والاحتجاجات في الغرب مشهد سياحي بديع وجميل.. يمكنك أن تذهب إلى موقع المظاهرة كمزار سياحي، وتصطحب معك أسرتك لتستمتع بالرقي والنظام والهتافات المهذبة، وكثيراً ما تكون مظاهرات صامتة ترفع لافتات فقط ولا تخريب ولا تدمير ولا فوضى، ولا حرائق ولا إتلاف لممتلكات عامة، ولا خوف ولا رعب. أما المظاهرات العربية، فهي حالات مرعبة ومخيفة وسخيفة أيضاً وتدميرية وتخريبية، ويقودها السفهاء والغوغاء، وذوو الأجندات التي تختفي تحت لافتات القدس وإصلاح النظام والمطالب المالية. كل المظاهرات العربية حتى إذا كانت مطلبية وعادلة يتم فجأة تحويل مسارها إلى أجندات طائفية أو حزبية أو إرهابية أو لمصلحة إيران وتركيا، وذلك لأن جماعة «الإخوان» الإرهابية هي التي تحرك تيار الفوضى. حتى في أزمة قطر، رأينا كيف وظّف «الإخوان» الأزمة، وحوّلوا مسارها إلى أن العرب يحاصرون قطر ويتركون الروهينجا للقتل، أو يحاصرون قطر ويتركون القدس.. لعبة رخيصة ومكشوفة لكن الشعوب العربية لا تريد أن تتعلم الدرس، لا تريد أن تعي أن أصحاب الأجندات، وعلى رأسهم «الإخوان» بارعون في توظيف الحق لخدمة الباطل، وتوظيف الظاهر لخدمة الباطن الخبيث، وهذا ما نعانيه، ويبدو أننا سنظل نعانيه، لأن قومنا لا يكادون يفقهون حديثاً.

نعاني كثيراً آفة توظيف الخير لخدمة الشر، وتوظيف الصلاح والإصلاح لخدمة الفساد والإصلاح وأن تكون قضايانا المصيرية مجرد وسائل لخدمة غايات دنيئة وخبيثة.. بل نعاني توظيف الدين لخدمة الإرهاب والجريمة والحرابة والتخريب ولخدمة إيران وتركيا وإسرائيل أيضاً.. حتى صار العالم كله لا يخشى غضبنا ولا يطلب رضانا ولسان حاله يقول: العرب لا خوف منهم ولا أمان لهم.. لا خوف من عداوتهم ولا قيمة لصداقتهم.. كل هذا بسبب الغوغاء الذين ينقادون إلى الإخوان وأضرابهم من العملاء والخونة الذين يهتفون ضد أميركا وإسرائيل في الأزقة والحارات والشوارع والطرق الجانبية وفي قلب الليل والظلام ويعانقونهما في الأزقة والحارات والشوارع والطرق الجانبية وفي قلب الليل والظلام.

الحكاية بسيطة جداً وبلا مظاهرات ولا موت لأميركا وإسرائيل.. هل يمكن أن تنجح حملة شعبية لمقاطعة سلع وبضائع أميركا.. والمقاطعة قرار شعبي لا تمنعه السلطات ولا يتعرض لملاحقات أمنية للمخربين والمجرمين.. أشك أكثيراً، فـ«الإخوان» لا يحشدون للمقاطعة ولكنهم يحشدون للفوضى، ولا يريدون أميركا ولا إسرائيل ولا يعنيهم أمرهما، لكن يريدون الفوضى والتخريب في الدول العربية.

لم تنجح أي حملة مقاطعة عربية شعبية حتى للدنمارك أيام الأفلام والرسوم المسيئة، ولم تنجح مقاطعة فرنسا أو هولندا، ولن تنجح مقاطعة أميركا. والمقاطعة هي السلاح الوحيد الذي يجعل العرب مخيفين لأعدائهم، لكن مثيري الفوضى لا تعنيهم سوى أجندات الإجرام والفساد، ودلوني على أي مظاهرة عربية غيرت قراراً أو أربكت عدواً. وكل ما حدث أنها خربت ودمرت وأفسدت وأحرقت في أوطاننا العربية، ولم يُصب أي عدو بأذى. فمثيرو الفوضى يؤذوننا ولا يؤذون عدونا. وكل أصحاب الأجندات المتناقضة يجتمعون معاً في المظاهرات العربية لأن هدفهم واحد وهو تخريب أوطانهم وكراهية بلدانهم، فترى الشيوعي يعانق السلفي والإخواني والليبرالي والملحد والزنديق والاشتراكي الثوري.. إنه لقاء الكراهية للوطن والنظام وليس لقاء الحب للقدس أو لفلسطين أو للدين أو للرسول أو للوطن. وهؤلاء جميعاً ثابتون نشطاء في الفتنة خاملون نكرات في الجماعة، لذلك يقول أعداؤنا، إن العرب لا خوف منهم ولا أمان لهم.

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا