• الخميس 10 شعبان 1439هـ - 26 أبريل 2018م

الفقدان الكليّ للبراءة في مواجهة الفقر بجنوب إيطاليا

«آتشامبرا».. الحياة في عيون الفتيان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 12 ديسمبر 2017

نوف الموسى (دبي)

كيف يمكن أن نتخيل الحياة بعيون «بيو أماتو» فتى بعمر الـ 14 سنة، يعيش بين أسرته في مقاطعة «كالابريا» بجنوب إيطاليا، الشهيرة بتسيد أعنف المافيات الإيطالية. يقطن بنَفَسٍ غجري مع أسرته، بحثاً عما يسد حاجة العائلة بالسرقة. والمدهش في حركة «أماتو»، تلك العشوائية المفرطة، في فضاء غير متجانس، حيث الحب والخوف، يتأصلان في التفاصيل اليومية، منذ اللحظة التي يخرج فيها من البيت، وانغماسه في الإثبات لنفسه، بأنه كبر وحان وقت الانضمام إلى قانون الكبار. السؤال الذي بحث عنه المخرج جوناس كاربينيانو في فيلمه «آتشامبرا» هي مرحلة التكشف لذات الشخصية الرئيسية من براءة الطفولة التامة إلى تلك الصدمة المؤلمة، عاكساً شكل التحول لدى «بيو أماتو» في بيئة ذات تنشئة مضطربة في البنية الإنسانية، وحالاتها الاجتماعية، وطبيعة علاقتها مع العوالم الخارجية.

الصداقة والخيانة

عفوية «أماتو»، وتجواله الطويل بين المنازل والأمكنة المشبوهة، وقدرته على خلق علاقة صداقة مع المهاجرين، توحي بحرية الغجري الممتدة نحو عيش اللحظة. بعد أن سُجن والد «بيو» وأخوه الأكبر، بسبب قيامهم بأمور غير قانونية، تولى هو البحث عن المال، واختار الفترة الزمنية بين وصول القطار وغلق بواباته، للانتقال إلى محطة أخرى، ليحترف سرقة حقائب المسافرين، وبيع محتوياتها الثمينة في السوق السوداء. يساعده صديقه الأفريقي المهاجر للحصول على زبائن، والمفارقة الكبيرة ما حدث بعد خروج الأخ الكبير، فقد طلب منه، مساعدته على سرقة مخزن تابع لصديقه المهاجر، مستفيداً من الثقة التي تجمعهما معاً، بكى وقتها «أماتو» كثيراً، أقنعه أخوه بأن هذا لمصحلتهما، فيتنازل «بيو» عن القيمة الجمالية «الصداقة» ويخون ثقة صديقه.

بكاء «أماتو» في المشهد، يوحي بروح الطفل البريء التي لا تود الخروج عن الهارموني الطبيعي. فالمهاجر الأفريقي كان أقرب له من أخيه. في يوم السرقة المتفق عليها، سقط «بيو» من على دراجة هوائية، وتسبب الحادث بجرح في رأسه. اتصل لحظتها بصديقه المهاجر، الذي جاء مسرعاً، ليطمئن عليه. وقتها ظل «بيو» متمسكاً بحضن صديقه، ولم ينبس ببنت شفة، ليس بسبب إصابة الرأس، بل لتردده بين قرار الطفل الذي ينازع الموت، والرجل الذي يدفع بنفسه للولادة من رحم تلك البراءة. لا يمكن أن يمر مشهد والدة «بيو أماتو»، التي حملته بين أحضانها بعد أن جلب لها مالاً مسروقاً، دون أن تضع اعتباراً لعمره، حيث تخفي وراء مشاعر الحب استغلالاً مشروطاً لكل تلك القبلات! تحضر أم «بيو» كقوة ضمنية، تدير العائلة ولا تدير، توجه ولا توجه، على طريقة الإقحام غير المرئي. ويدرك المشاهد مدى قوة تجذرها في المساء، عندما تتناول العائلة العشاء، تطلب منهم بأن لا يشربوا الكحول، وإذا بالجميع يشرب وسط ضحكات وتلميحات بمعاكستهم لما تقوله، وتنتهي النقاشات بإقدام الأم نفسها على الشرب. ويقدم مشهد طاولة الطعام، مدى الترابط بين أفراد العائلة، رغم المعاناة والفقر الشديد، إلا أن هناك مساحات مفتوحة لحرية فعل كل شيء، وربما هذا البعد شكل ضماناً للقوة الداخلية المتدفقة من العائلة.

منطقتان متناقضتان

اهتم المخرج جوناس كاربينيانو، برسم بيئة التنشئة التي عاش فيها «بيو أماتو»، ما يوحي لك بإدراك أن كل عمليات السرقة التي تسمع عنها في تلك البقع من العالم، تأتي وفق صراعات واحتياجات إنسانية. فالسرقة لم تعد ملكية مختطفة، يجب البحث في طرق تجريمها، ولكنها حالة من التماهي مع الواقع، يراها البعض ردة فعل، ولكنها في حالات عدة تعكس الرغبة في الاستمرارية، وهي بطبيعة الحال ليست مبرراً، لتصنيف الأشياء، وفي حالة «بيو أماتو»، فإن إسقاط المعنى ضروري، لأنه كشخصية يقع بين منطقتين متناقضتين تتوسطهما فجوة ضخمة تتطلب منه أن يملأها بطريقة ما. والاختيار يبدو صعباً، مع وجود التكيف والضغط المجتمعي، ليتوصل المشاهد بعدها بأن الإنسان ليس سيد نفسه حتى يفهمها.

شخصية «بيو أماتو» حملت مسؤولية الاختيار، بعد مرورها بعدة اختبارات، ليتجلى القرار بعيداً عن العودة إلى البراءة العفوية، واستكمال الطريق مع العائلة، وذلك جسده المخرج عبر مشهد يرى فيه «أماتو» أصدقاءه وإخوانه الصغار وهم يلعبون في جهة، وفي جهة ثانية يستكمل أخوه ووالده وبعض العائلة طرقهم الملتوية لكسب المال، وبعد لحظة تأمل يختار «بيو» السير باتجاه أخيه والعائلة وترك الطريق المؤدي إلى الصغار.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا