• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

السرقات العلمية.. معضلة روسية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 06 يناير 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

ليس من السهل توثيق سوء الاختيار الذي يدفع أسوأ الأشخاص إلى القمة في المجتمعات الفاسدة؛ ولكن مجموعة من النشطاء المنشغلين بصحة المؤهلات الأكاديمية ونزاهتها وجدت مؤخراً طريقة لإظهار، بل وحتى تحديد حجم، انتشار هذه الظاهرة في روسيا. منظمة «ديسرنت»، تستعمل برنامجاً حاسوبياً قام بتطويره أحد مؤسسيها، الفيزيائي «أندري روستوفتسيف»، بهدف اكتشاف حالات السرقة العلمية في رسائل الدكتوراه. وخلال ثلاث سنوات من العمل، اكتشفت «ديسرنت» عشرات الحالات. وعلى سبيل المثال، وجدت المنظمة مؤخراً أن سيرجي ناريشكين، رئيس البرلمان وعضو حزب «روسيا المتحدة» الموالي للرئيس فلاديمير بوتين، قد سرق جزءاً من رسالته في الاقتصاد من مقال لعالم الاقتصاد المشهور المعارض لبوتين فلاديسلاف إينوزيمتسيف، وهو ما علّق عليه هذا الأخير بالقول: (من المضحك أن يقرر قيادي في حزب «روسيا المتحدة» اللجوء إلى مقالي»، مضيفاً «لا بد أنه وجده مفيداً وعلى قدر كبير من الجودة). وقد حاولت «ديسرنت» استخلاص استنتاجات عامة مما اكتشفته، ووجدت أنه كلما صعد صاحب دكتوراه في تراتيبية الدولة الروسية، كلما زاد احتمال أن تكون رسالته للدكتوراه متورطة في السرقة العلمية. والواقع أنه من المعلوم أن نظام المؤهلات الأكاديمية الروسي فاسد. ففي 2009، أشار «أرارات أوسيبيان» من جامعة «فادربيلت» إلى أسعار رسائل وهمية، تتراوح من ألف دولار إلى 6 آلاف و100 لـ«الحزمة الكاملة». وكتب في هذا الصدد يقول: «إن البحث عن الريع في المجتمع الروسي يُعتبر من قبل كثيرين أمراً عادياً؛ حيث يحاول بعض البيروقراطيين استغلال مناصبهم لتحقيق أرباح شخصية. فبعض العاملين في قطاع التعليم يتصرفون بهذه الطريقة؛ حيث يقومون بتأجير ملكيات عامة، مثل المنشآت الأكاديمية وغير الأكاديمية والأراضي لشركات غالباً ما تكون لهم فيها حصة».

أما بالنسبة للسياسيين، يكتب «أوسيبيان»، فإنهم يستطيعون تقليص كلفة الصفقة المرتفعة للدفاع عن رسالة جامعية عبر ممارسة تأثيرهم على الأكاديميين. والأمر يستحق العناء في الحقيقة، لأن شهادة عليا تُعتبر أعلى شأناً وقيمة من سيارة فارهة، وربما مكافأة كبيرة على غرار منزل فخم، ذلك أن الاتحاد السوفييتي علّم رعاياه أن يهتموا بالعلم ويعلوا من قدره؛ ولذلك، فإن آخر الأجيال السوفييتية، التي تتمتع بنفوذ وتأثير في روسيا اليوم كثيراً، تقدّر المؤهلات «العلمية» كثيراً، وإنْ كان الكثيرون يعرفون طريقة الحصول على تلك المؤهلات.

والحق أن تجارة «بيع الرسائل العلمية» لا تقتصر على روسيا. فألمانيا، حيث تحظى الشهادات العلمية العليا بتقدير كبير، اهتزت مؤخراً على وقع فضائح شراء دكتوراه. غير أن مشوار سياسي ألماني لا يمكن أن يستمر بعد اكتشاف رسالة مسروقة أو شهادة وهمية. ففي 2011، مثلا، استقال وزير الدفاع كارل ثيودور زو جوتنبرغ بعد أن اعترف بنقل رسالته للدكتوراة، ما أكسبه لقب «بارون زو جوجل-برغ».

أما في روسيا، فلا أحد يستقيل بعد مثل هذا الاعتراف، ثم إن السياسيين الذين يُجرَّدون من شهاداتهم الأكاديمية يتشبثون بمناصبهم، وهو ما يؤكد ما خلص إليه «روستوفتسيف» من أن النظام يقوم بحماية نفسه. ذلك أنه إذا ضُبطوا متورطين، يستطيع المسؤولون بكل بساطة إنكار أي عمل مناف للقانون. أما تأنيب الضمير، فهو استثناء نادر الحدوث. ففي أبريل الماضي، قام أحد نواب المجلس التشريعي لمدينة موسكو، بالتخلي طوعاً عن دكتوراه القانون بعد أن كشفت «ديسرنت» أمره – ولكنه تمسك بمنصبه كنائب في المجلس.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا