• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

أبي حبيبي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 21 يناير 2015

يحدث كثيراً أن يرى أحدنا هواتف تركها أصحابها بالقرب منا، ورنت هواتفهم، وإذا بالاسم الظاهر على شاشة الهاتف إما «حبي» أو «نور حياتي» أو «قلبي» أو كلمات غزلية أخرى، والذي عادة يكتبها أصحابها لزوجاتهم على ما يبدو. قبيل رمضان، جلست بجوار صديق في مجلس ما نتجاذب أطراف الحديث، ورنّ هاتفه، وإذا بكلمة «حبيبي» تظهر بشكل كبير ولافت لمن هم حوله على هاتفه، فانحرفتُ إلى اليسار، احتراماً له وكي أبتعد عنه قليلاً، فلم يحرك هو ساكنا، وبدأ يكلم من اتصل به ويقول: «كيف الحال يا أبي.. إن شاء الله أنت بخير وعافية.. هل لك من حاجة أقضيها لك الآن يا والدي...». والله الرجل يكلم أباه وكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كلامه مفعمٌ بخفض للجناح، وحسن القول ولين الجانب، وتعهدٌ بأبيه منقطع النظير. كلمات خرجت منه لأبيه، فيها كثير بر وحب وكبير احترام.

موقف هذا الصديق هيج أشجاني وظل يغزوني أسبوعاً أو ربما أكثر من ذلك، كوني فقدت والدي قبل ثلاث سنين، بل ذكرني بحالات للبر لكثيرين لوالديهم. فذاك رجل من علية القوم يتعهد والده قبل دوامه فيغسله ويأكله ويعطيه الدواء، وآخر يصبر على أبيه الذي يسب زوجة ابنه وأبناءه، وهو يلين الكلام وينصحه بالتي هي أحسن ويقبل رأسه ويسعى برعايته ويهتم بصحته المعلولة.

أذكر من قصص البر أيضاً أن والدي نصحني مرة أن أزور أهلاً له في دوحة الخير، فوجدت من أبناء هذا الرجل براً كبيراً ومحبة وتعهداً وخفضاً للجناح أكبرته فيهم. أقول للذي لم يغيب الموت والده، الله الله فيه. فوالله لقد أضعنا الأيام بعيداً عن آبائنا، في توافه الأمور وسفسافها، جادلناهم فيما لا يفيد، وبضاعتنا بِعُجَرِها وبُجَرِها مع البر معهم مُزجاة كاسدة. ولم يبق لنا إلا التحسر على الأوقات تلك والدعاء لهم وبر أصحابهم والسير على حسن سيرتهم. كيف لو ملأنا حياتنا براً بهم وطاعة وملازمة لهم وحسن معشر وطيب كلام معهم، فكنا لهم العون والسند والمؤنس والمسلي، إذا سأل والدك حاجة قضيها له بسرعة، وإذا طلبك في أمر، قلت له لبيك أبتاه وقمت بتنفيذه على الوجه الذي يرضيه ويدخل البِشر في قلوبه والسعادة في نفوسه. من الذي يمنعك من هذا، أصديق هو أهم، أم عمل هو أجدر لك منه، أم زوجة أم أولاد؟!. لا نقول أترك كل هذا، ولكن كل ٌ له حق والوالد أحق أن ينال من وقتك أوفر الحظ والنصيب.

الدنيا لا تساوي شيئاً أمام إدخال السرور إلى قلب مسلم فكيف لو كان ذلك المسلم والدك. والدك الذي لا يطرب إلا برؤيتك وسماع صوتك وجلوسك وأكلك معه.

قل لي بالله عليك كيف يكون الحال وأنت مشغول دائماً عنه وهو يناديك ويرجوك أن تكون معه في مناسبة أو أخذه لمكان ما، لأنه سئم الذهاب مع السائق أوأن تصطحبه الخادمة كل يوم هنا وهناك.؟!

والدك هو الذي رأى فيك مستقبلاً زاهراً هو لم يستطع تحقيقه وسهر ودعا لك أن تكون أفضل من مشى على الأرض بعد الرسل والصحابة والأئمة الكرام. هنيئاً لمن كان والده موجوداً معه، وسعى سعياً حثيثاً وبذل الجهد الجهيد كي يبره ويخفض الجناح له ويدخل السرور إلى قلبه. هذه أفكار هاجمتني عندما رأيت صاحبنا البار بأبيه وهو يكلم من خزّن رقمه في هاتفه باسم «حبيبي»، ويقصد والده. فهل من مذكر؟ أرجو ذلك من قلبي وأتمناه.

حسين عبدالله - أبوظبي

     
 

ونعم المقال

سلمت يد كاتب المقال وجزاه الله خير

احمد علي عبدالله | 2015-01-21

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا