• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

مرضنا مزمن وعضال ولا حلّ إلا بالاعتراف والمواجهة

الفتنة.. لا تنام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أغسطس 2015

سعيد ناشيد

طريق الجحيم مفروش بالنّوايا الحسنة، لكنه مفروش بالجهل والتجاهل أيضا. غير أن بعض التجاهل يبرره الزّعم بأنّ وقوع الكارثة خيرٌ من توقّعها كما يقال؟ فما عسانا نقول بعد هذا القول المأثور؟ هل يكفي أن نحمد الله على أنّنا لم نتوقّع كل هذه الفواجع والمواجع التي أحاطت بنا من كل جانب على حين غرّة وفي غفلة منّا؟ وهل يحقّ لنا أن ننعم بترف الذّهول أمام ذواتنا والحيرة أمام ملامحنا كأنّنا وجه غريب عنّا، وجه لم نواجهه من قبل، أو نسينا على وجه التّحديد بأنّنا واجهناه بِمَرارة مرّات ومرّات؟ كأنّنا لزمن طويل اعتدنا على ارتداء قناع وسطية منزوعة المواقف قبل أن يسقط القناع فجأة فتنكشف عورة التغوّل الهمجي في كياننا. كانت بوادر السّقوط بادية لكننا قليلا ما كنا نلتفت إليها، من انخفاض منسوب الأناقة واللياقة واللباقة إلى ارتفاع مظاهر الصلافة والجلافة والخرافة.

بين فتنة وأخرى

بين الفتنة والفتنة نأخذ نفسا قصيرا لنسأل أنفسنا سؤالا عابراً: هل نحن على هذا النحو من البشاعة والفظاعة والوضاعة؟ وسرعان ما ننسى السّؤال. لا تنام الفتنة، ولم تنم الفتنة في يوم من الأيام، لكننا صرنا نحن النيام. نخفي رؤوسنا تحت الرمال، ونكتفي بأدعية الفرج عن الكرب، وداء الكرب ملازم لنا مزمن فينا. وبعد كل فتنة نحاول أن نخفف عنا من وزر المسؤولية بالوقوف موقف الحيران: لا يمكن لهذه الوجوه الشّرسة والشّرهة أن تشبهنا، لا يمكن أن نكون بمثل هذا الرّعب! بل قد لا يكون التشابه بين ماضي التراث وراهن الأحداث سوى صدفة أو مصادفة أو لوحة مفبركة أنجزها أعداؤنا الذين يحسدوننا على «نعمة الإسلام»! منتهى البلاهة. نمعن في خداع النفس طلبا للطمأنينة الكاذبة، نردد بلا خجل ولا وجل : لربّما الذي يحدث لا يحدث أساساً، لربما كل هذه المشاهد من الفظاعات مجرّد هلوسات مفبركة من نسيج خيال كافكاوي خبيث، وربّما هناك تشوّه في انعكاس الضّوء على صفحة الأحداث. لكن، عن أيّ أحداث نتكلم؟

نحاول أن نقنع أنفسنا بأنّ هذا الذي يحدث لا يحدث بالتمام، لا يحدث إلاّ من باب التمويه. فمن غير المستبعد أن تخدعنا حواسّنا في إدراك الموضوعات كما يقول ديكارت- حواسيبنا أيضا تخدعنا ويا للمصادفة!- لكن الذي لم يقله ديكارت هو أنّ حواسّنا تخدعنا في إدراك الذات أكثر ما تخدعنا في إدراك الموضوعات. من ذا الذي بوسعه أن يرى شكل عينيه؟ من يستطيع أن يميز نبرات صوته؟

تحتاج معرفة الذات إلى مسافة مع الذات. إنها المسافة التي نخشى أثناءها أو على أثرها من ضياع الذات. وهذا اعتراف أوّلي وتلقائي بأنّ الذات بالغة الهشاشة وتوشك على الضياع، بل لعلها ضائعة بالأساس وما الخوف على فقد المفقود سوى من باب التمويه. ولا شك أن كل النزعات المحافظة تُعول على نفس الفخ: إن تجييش الشعوب لأجل حماية الصندوق الفارغ يمنحها الشعور بأن الصندوق ممتلئ.

خوف ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف