• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

‬معالجات إسلامية

الإسلام ‬... ‬وحقوق ‬الإنسان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 08 ديسمبر 2017

يوافق يوم الأحد المقبل العاشر من شهر ديسمبر ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ومن الجدير بالذكر أن الشريعة الإسلامية الغراء قد سبقت بقرون إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من شهر ديسمبر لسنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد. إن الإنسان سيّد هذا الكون، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فكلّ ما في هذا الكون مسخر لخدمة الإنسان، ومن المعلوم أن الإسلام قد كرّم الإنسان مهما كانت عقيدته، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)، «سورة الإسراء: الآية 70».

وحقوق الإنسان في الإسلام ترتكز على مبدأين أساسيين هما: مبدأ المساواة بين كل بني الإنسان، ومبدأ الحرية لكل البشر، والتاريخ الإسلاميّ سجّل للخليفة الثاني عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مواجهته الحاسمة لانتهاك حقوق الإنسان وقوله في ذلك: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»؟.

منطلق الحقوق والحريات

إن حقوق الإنسان في الإسلام تنبع أصلاً من العقيدة وخاصة من عقيدة التوحيد، ومبدأ التوحيد القائم على شهادة أن لا إله إلا الله، هو منطلق كل الحقوق والحريات، لأن الله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد خلق الناس أحراراً ويريدهم أن يكونوا أحراراً، ويأمرهم بالمحافظة على الحقوق التي شرعها والحرص على الالتزام بها، والإنسان في الإسلام صاحب مركز خاص في الكون من حيث أصل خلقته: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، «سورة التين: الآية 4»، ومن حيث مكانته في الأرض ورسالته: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، «سورة البقرة: الآية 3»، ومن حيث قدراته وملكاته واستعداده: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)، «سورة البقرة: الآية 31»، ومن حيث مسؤوليته عن عمله: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى)، «سورة النجم: الآية 39»، وعدم مؤاخذته بجريرة غيره: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، «سورة الإسراء: الآية 15».

هكذا أنصف الإسلام الإنسان وكشف عن جوهره الفريد، ومركزه في الكون ورسالته في الحياة، فحقوق الإنسان في الإسلام تنبع من التكريم الإلهي للإنسان كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله.

أكرمكم عند الله أتقاكم

إن الإسلام لا يُمَيِّز بين إنسان وآخر، لا في العرق ولا في الجنس ولا في النسب ولا في المال، كما جاء في خطبة حجة الوداع أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ»، (أخرجه الترمذي)، وعند دراستنا لهذا التوجيه النبوي نلاحظ المساواة الكاملة بين الناس، فالناس كلهم أولاد آدم فلا فضل لإنسان على إنسان، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، «سورة الحجرات: الآية 13»، وهذه القاعدة يتساوى في ظلها الناس على اختلاف منابتهم وأصولهم، فكلما كان المرء أتقى لله، كلما ارتفع قدره وَسَمَا نجمه في المجتمع الإسلامي. لقد سبق الإسلام دعاة حقوق الإنسان في العالم بقرون عديدة بإلغاء التفرقة العنصرية، والنظر إلى الناس نظرة المساواة التامة التي لا تعرف التمييز والتفريق الذي عانت منه البشرية في مختلف عصورها.

من مقاصد الشريعة

من المعلوم أنَّ ديننا الإسلامي الحنيف هو أول من نادى بحقوق الإنسان وشدَّد على ضرورة حمايتها، فقد كان الإسلام سبّاقاً إلى الإقرار للإنسان بحقوقه، وإلى الحثِّ على صوْنِ هذه الحقوق وحفظها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، فالإسلام هو أول من قرر المبادئ الخاصة بحقوق الإنسان في أكمل صورة وأوسع نطاق، كما عمل على إحاطة هذه الحقوق بالرعاية وشمولها بالعناية، مع العلم بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة الغراء تحتفظ بكونها أسبق وأعمق وأشمل من أيَّة قوانين وضعية. ومن الجدير بالذكر أن كلَّ دارس للشريعة الإسلامية يعلم أنَّ لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته، فمن أول مقاصد الشريعة الإسلاميّة صيانة الأركان الضروريَّة للحياة البشرية، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وقد بيَّن الإسلام الأحكام الفقهية التفصيليّة التي تُمَثِّل سياجاً لصيانة هذه الضرورات وكيفيّة حمايتها والمحافظة عليها، حيث ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «المستصفى» أنَّ حرمة الضرورات الخمس لم تُبَحْ في مِلَّة قط، وقال بذلك الإمام أبو اسحق الشاطبي في كتابه «الموافقات في أصول الشريعة»، ومن المعلوم أنَّ هذه الأمور لا بُدَّ منها لإقامة الحياة الصالحة، فإذا فُقِدَ بعضها انهارت الحياة الإنسانيّة أو اختلت وفسدت. لقد حرص الإسلام عبر تاريخه المشرق على مراعاة حقوق الإنسان وضرورة صيانتها، وستبقى تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وخصائص شريعتنا الغراء ثابتة كالطود الأشم، لن تهزها عواصف هوجاء ولا رياح عاتية. تلك هي طبيعة المجتمع المسلم، فهذا ديننا وتلك تعاليمه، وهذه أمتنا، وذلك ماضيها، وهذا هو العالم وحاضره الذي يعيش فيه، وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا مِلْحٌ أُجَاج.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا