• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

كيف أخفق «اليهود» في معالجة إشكالية الدين والدولة؟

«كوكتيل» التطرّف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يناير 2018

د. فوزي البدوي

لا شك أن الكثيرين تابعوا باهتمام كبير، قبل أن تطل علينا قضية إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ما كان يحدث منذ مدة، وبشكل دوري أحياناً من احتجاجات ما يعرف في إسرائيل باسم (الحريديم)، الذين يطلق عليهم أصحاب «الأردية السوداء»، وهم خليط من اليهود المنتمين إلى طوائف مختلفة، ترجع في أغلبها إلى أصول أوروبية شرقية، وتتخذ من أحياء (ميا شعاريم) في القدس معقلاً لها. وقد بناه المستوطنون الأوائل في ما يعرف بـ(اليشوف) القديم، والواقع في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر.

هؤلاء (الحريديم) يشكلون منذ مدة صداعاً مزمناً للسلطات الإسرائيلية، بسبب أفكارهم القائمة على رفض الدولة، ورفض الحركة الصهيونية، ورفض الخدمة العسكرية، ورفض الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، مفضلين تركيز حياتهم الروحية والدنيوية حول قياداتهم الروحية ومدارسهم الخاصة، ساعين قدر الإمكان إلى ابتزاز الدولة مالياً، وهم الذين كانوا في بداية تأسيس الدولة أقلية سرعان ما تطورت لتجعل الحياة في أحياء القدس العتيقة، شبه خانقة لما يضفونه من تشدد كان الأديب الإسرائيلي عاموس عوز أفضل من وصفه.

اليهودية الإصلاحية المبكرة

والحقيقة، إن المجتمع الإسرائيلي لم يكن هو السبّاق للشعور بأهمية العلاقة بين الدين والدولة، فقد بدأت اليهودية مبكراً في الإحساس بعمق المشكل مند القرن الثامن عشر، وخصوصاً مع لوثر اليهودية موشيه مندلسون رائد اليهودية الإصلاحية، الذي عايش متاهات ألمانيا البروسية، والتحولات الفلسفية والعلمية والسياسية التي عرفتها في عهده، وبدأ مساراً طويلاً للاندماج في المجتمع الألماني والخروج من (الغيتو)، مدركاً أهمية المواطنة ونشوء الدولة القومية، وأهمية نظرية العقد الاجتماعي، الذي ستسمح لليهود بأن يعملوا كمواطنين، لهم حقوق لأول مرة في تاريخ أوروبا الخارجة بصعوبة من العصر الوسيط عبر حركة النهضة في القرن السادس عشر.

والواقع أن هذه (الهاسكالاه) كانت تحمل في أحشائها السبل التي ستشكل تاريخ اليهودية اللاحق، وهي: اليهودية الأرثوذكسية التي ستواصل تقاليد اليهودية الربانية الوسيطة في صور مختلفة، محافظة على جوهر ما تعتقد أنه اليهودية الصحيحة، المحافظة والمكتفية في جوهرها بعقلية الانغلاق عن العالم الخارجي، حتى إنها سعت شيئاً فشيئاً إلى قبول الحداثة الفكرية والمادية، مع سعي إلى إيجاد صيغة من صيغ التوافق بين ما تعتبره جوهر اليهودية والعالم الحديث.

لكن تاريخ أوروبا اللاحق سرعان ما سيبيّن أن فكرة الاندماج وهمٌ، بعد حادثي دريفوس والمحرقة النازية. واحتاجت اليهودية الإصلاحية إلى وقت طويل بعد لجوئها إلى الولايات المتحدة إلى إعادة بناء نفسها ومقولاتها، والانتقال من وثيقة بيترسبورغ الشهيرة، إلى أن تتكيف مع صعود الحركة الصهيونية اللاحق، الذي مثّل الطريق الثالث الذي حملته حركة (الهاسكالاه) في أحشائها، وقد اعتبر أن حل مشكلة اليهودية لا يكمن إطلاقاً في (الغيتو)، ولا في الاندماج، بل في الخروج نهائياً من/ وتأسيس مرجعيات جديدة تتقاطع مع التصورات (الماشيحانية)، وإن احتفظت بالروح المعلمنة التي ورثتها من أوروبا. وكان الحديث عند تأسيس إسرائيل في 1948 عن دولة لليهود بحسب التصور الحقيقي لمؤسس الصهيونية تيودور هرتزل، أن هذا الوطن البديل، ليس إلا موضعاً لتجمع اليهود من مختلف الأصقاع والتوجهات، وهو جوهر قانون العودة الإسرائيلي الذي تمت صياغته سنة 1950. والأمر شبيه تماماً بما حلم به الزعيم الليبرالي محمد علي جناح وهو يبحث عن تأسيس دولة للمسلمين خارج إطار الهند التقليدية. ولم يكن يدور في خلد هرتزل في البدايات أن تتحول دولة اليهود Der Judenstaat هذه إلى دولة يهودية، كما لم يدر بخلد محمد علي جناح أن تتحول باكستان إلى دولة إسلامية لاحقاً، وهو الأمر الذي سيتم تحت حكم الجنرال ضياء الحق. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا