• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

تابعون وتابعيات

ناصح أمين من بطانة الخير رجاء بن حيوة.. وزير الخلفاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 31 يوليو 2015

Ihab Abd Elaziz

أحمد مراد (القاهرة)

ولد التابعي الجليل رجاء بن حيوة في بيسان من أرض فلسطين، في أواخر خلافة عثمان بن عفان، ينتمي إلى قبيلة كندة، نشأ في طاعة الله منذ حداثة سنه، وأقبل على العلم منذ نعومة أظفاره، فكان همه الأول التفقه في كتاب الله، والتزود من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتيح له أن يأخذ عن طائفة كبيرة من الصحابة، حيث أخذ عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم.

وضع رجاء لنفسه دستوراً ظل يلتزمه طوال حياته، فكان يقول ما أحسن الإسلام يزينه الإيمان، وما أحسن الإيمان يزينه التقى، وما أحسن التقى يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، وقد قال عنه مسلمة بن عبدالملك إن في كندة لثلاثة رجال، ينزل الله بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء، أحدهم رجاء بن حيوة.

وكان رجاء وزيراً لعدد كبير من خلفاء بني أمية، وله صلة متينة بسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبدالعزيز، وقد أدناه من قلوب الخلفاء رجاحة عقله، وصدق لهجته، وإخلاص نيته، وحكمته في معالجة الأمور، وطوال فترة عمله مع الخلفاء دعاهم إلى الخير ودلهم عليه، وأثناهم عن الشر، وأوصد دونهم أبوابه، وأراهم الحق، وزين لهم اتباعه، وبصرهم بالباطل، وكره إليهم إتيانه، ونصح لله وللرسول، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وكان ناصحاً أميناً من بطانة الخير. وكان لرجاء بن حيوة شأن كبير عند الخليفة سليمان، وقد روى عن ذلك قائلاً لما كان أول يوم جمعة من شهر صفر العام تسعة وتسعون، كنا مع أمير المؤمنين سليمان بن عبدالملك بدابق، وكان قد أرسل جيشاً إلى القسطنطينية، بقيادة أخيه مسلمة بن عبدالملك، ومعه ابنه داود، وطائفة كبيرة من آل بيته، وقد آل على ألا يبرح مرج دابق حتى يفتح الله عليه القسطنطينية، أو يموت، فلما اقترب موعد صلاة الجمعة، توضأ الخليفة فأحسن الوضوء، ثم لبس عمامة خضراء، ونظر في المرآة نظرة معجب بنفسه، مزهواً بشبابه، وكان في نحو الأربعين من عمره، ثم خرج ليصلي بالناس الجمعة، فلم يرجع من المسجد إلا وهو موعوك «أصابته الحمى»، ثم أخذ يثقل عليه المرض يوماً بعد يوم، وقد سألني أن أظل قريباً منه، فدخلت عليه ذات يوم، فوجدته يكتب كتاباً، فقلت: ما يصنع أمير المؤمنين؟ قال: أكتب كتاباً أعهد به إلى ابني أيوب بالخلافة من بعدي، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن مما يحفظ الخليفة في قبره، ويبرئ ذمته عند ربه، أن يستخلف على الناس الرجل الصالح، وإن ابنك أيوب غلام لم يبلغ الحلم بعد، ولم يتبين صلاحه من طلاحه، فتراجع، وقال: إنه كتاب كتبته، وأنا أريد أن أستخير الله فيه، ولم أعزم عليه، ثم مزق الكتاب، ومكث بعد ذلك يوماً أو يومين ثم دعاني، وقال: يا رجاء ما رأيك في ولدي داود؟ فقلت: هو غائب مع جيوش المسلمين في قسطنطينية، وأنت لا تدري الآن أحي هو أم ميت، فقال: فمن ترى إذن يا رجاء؟ قلت: الرأي رأي أمير المؤمنين، وكنت أريد أن أنظر فيمن يذكرهم لكي أستبعدهم واحداً واحداً حتى أصل إلى عمر بن عبدالعزيز فقال: كيف ترى عمر بن عبدالعزيز؟ قلت: واللهِ يا أمير المؤمنين ما علمته إلا فاضلًا كاملًا عاقلًا بيناً، قال: صدقت، إنه والله لكذلك، ولكنني إن وليته، وأغفلت أولاد عبد الملك لتكونن فتنة، ولا يتركونه يلي عليهم أبداً، قلت: أشرك معه واحداً منه، واجعله بعده، قال: واللهِ لقد أصبت، فإن ذلك مما يسكنهم، ويجعلهم يرضونه، ثم أخذ الكتاب، وكتب بيده.

ويواصل قائلاً: ثم دخلت على سليمان بن عبد الملك، فإذا هو يجود بروحه، فجعلت إذ أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه نحو القبلة، فكان يقول لي وهو يشهق: لم يأن ذلك بعد يا رجاء، حتى فعلت ذلك مرتين، فلما كانت الثالثة قال: الآن يا رجاء إن كنت تريد أن تفعل شيئاً فافعله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فحرفته نحو القبلة، فما لبث أن أسلم روحه لله، عند ذلك أغمضتُ عينيه، وسجيته بقطيفة خضراء، وأغلقت الباب عليه، وخرجت.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا