• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

للكاتبة والمخرجة الكورية كيم هي ـ جَنغ

«دروب الثلج».. روح السينما الكورية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يوليو 2015

نجوم الغانم

بالاتكاء على لغة سينمائية مليئة بالرموز والأحلام والاستعادات المؤلمة للذكريات البعيدة والمشوِّشة واللقطات التأملية الطويلة تأخذنا الكاتبة/المخرجة الكورية الجنوبية كيم هي ـ جَنغ إلى مناطق يصبح الفاصل فيها بين الواقع والهلوسة صعب التحديد إلى درجة تجعل المشاهد يقع هو الآخر في المأزق نفسه الذي يقع فيه جَنغ ـ وُ، بطل فيلم «دروب الثلج» والذي يؤدي دوره الممثل الكوري كيم تا ـ هَن. الأمر الذي يجعل الفيلم واحداً من الأفلام المعقدة والصعبة لأنها تتناول قصة فيها الكثير من التوتر ولكن ليس بالصورة السائدة والمرتبطة دائما بالصراع النمطي بين الخير والشر وإنما التوتر الذي يعايشه الفرد نفسه في مواجهة مخاوفه وفقده وذكرياته والمراهنة على الانتصار عليها أو السقوط في فخاخها. قصة الفيلم اختصاراً لقصة الفيلم فإن البطل المدمن على الكحول يتم قبوله في دير مسيحي بإدارة الراهبة تيريزا (تلعب الكاتبة/المخرجة دورها). ومع أن هذه الراهبة لا تقبل في العادة أحداً في فصل الشتاء إلا أنها تستثني جَنغ ـ وُ إكراماً للعلاقة التي ربطتها بوالدته منذ زمن طويل. وعلى الرغم من تحذيرها للضيف الجديد ومن مغبة أن يسبب وجوده التشويش لإحدى الراهبات الصغيرات ذات العشرين من العمر إلا أنه وفي أثناء تلقيه العلاج يحدث نوع من التقارب الإنساني بينه وبين الراهبة الشابة والفاتنة ماريا التي تكون قد التحقت بالدير منذ فترة قصيرة فقط. وتلعب دور ماريا الممثلة الحديثة العهد بالتمثيل بارك سو ـ دام. عندما نعود لبداية الفيلم، نرى كيف تؤسس المخرجة أسلوبها؛ فهي تُظهر الشاب الثلاثيني جَنغ ـ وُ وهو بين النوم واليقظة في حافلة تسير مخترقة الظلمة كما لو أنها في حلم. الضباب الذي يلف النوافذ يصبح واضحاً حين تعبر الحافلة تحت أضواء الشارع الخافتة إيحاء ببرودة الطقس في الخارج. أما الكرسي الأقرب إلى النافذة فتشغله امرأة تكبره في السن وهي هناك تراقب نومه بصمت. نعرف فيما بعد، عندما تصل الحافلة إلى المحطة المقصودة، أنها أمه وأنها جاءت معه بنفسها لتتأكد أنه قد وصل إلى المكان الآمن الذي سيبدأ منه مرحلة حياته الجديدة التي جاء من أجلها. والغريب أننا لا نرى مع هذا المسافر سوى حقيبة يد واحدة من تلك التي يستخدمها الطلبة لحمل الكتب. تسأله أمه بكلمات مختصرة: «هل أنت متأكد أنه يمكنني العودة الآن؟»، ويجيبها: نعم يمكنك ذلك. كما لو أنه يريد إرسالها سريعاً للاختلاء بنفسه، ثم تتابع مؤكدة: «أعرف أنك تستطيع النجاح هذه المرة». وفي هذه اللحظة بالذات تعبر من خلف زجاج المحطة الراهبة الشابة التي تلاحظهما فتتردد لوهلة ولكنها تمضي في طريقها. وما أن يفترق جَنغ ـ وُ عن أمه حتى نراه في لقطة تالية يتوقف لشراء زجاجتين من الكحول سرعان ما يبدأ بإفراغ واحدة منهما في فمه بتوتر وارتباك ويخبئ الأخرى في حقيبته. بعدها نراه يسير في طريق مغطى بالثلج في منطقة شبه قاحلة ولكنها مليئة بالأشجار العالية العارية والتي تحمل فوق جذوعها العتيقة بعض الأسماء، ونستمع إلى نعيق غربان. يصل إلى مبنى قصي فتخرج منه الراهبة الشابة التي كانت قد لمحته في المحطة وترافقه إلى مديرة الدير، وهناك تخبره المديرة أنه كانت تربطها بأمه علاقة حميمة لأنهن كن صديقات مقربات جداً، وأنها ستوافق على استقباله في هذا الفصل الشتوي كاستثناء لأنها وعدت أمه أن تعتني به. ويضحك بسخرية لسماع ذلك موضحاً أن أمه لم تذكر له شيئاً عنها أبداً لكن الراهبة تخرج مسبحة من درجها وتعطيها له قائلة: لقد أعطتني أمك هذه منذ زمن بعيد وطلبت مني أن أعطيها لك. كل هذه المقدمات ما هي إلا قطع صغيرة من لوحة أحجيات كبيرة تشبه لعبة الصور المجزأة التي عليك حل لغزها بجمع جميع قطعها ووضعها في أماكنها المناسبة حسب أشكالها وأحجامها ليمكنك رؤية الصورة بشكل كامل. فالمخرجة وكاتبة السيناريو كيم هي ـ جَنغ تحيك القصة بذكاء فذٍّ وأسلوب مشوق ولكن هادئ وبطيء يتطلب مشاركة المشاهد نفسه في الدخول لعوالم هذه الشخصيات لاكتشاف أسرارها وتفاصيل حكاياتها لفهم أحجياتها. أشجار لأسماء الموتى يتساءل بطل الفيلم عن سبب وجود أسماء على الأشجار في أول نزهة سيقوم بها بعد أن يستقر في غرفته بالدير، وستجيبه الراهبة الشابة ماريا بأنها تحمل أسماء الموتى المدفونين تحتها. وسنعرف في نهاية الفيلم أن مجيئه مرتبط جداً بهذه المقبرة بالذات لأنه سيدفن رماد رفات أمه تحت واحدة منها ويضع اسمها على جذعها. ستحذره رئيسة الدير الراهبة تيريزا من إمكانية تشويشه لأفكار ماريا، الشابة التي تحولت إلى الرهبنة حديثاً معطية تفسيراً مختصراً عن شخصيتها بأنها فتاة مختلفة وخاصة. سيكتشف جَنغ ـ وُ إصابتها بالصرع في أول احتكاك له معها حين سيتهمها بأنها تطارده من أجل الاقتراب جسدياً منه حسب قراءته لاهتمامها غير العادي به وحسب تحذير الراهبة تيريزا. ولكن وبعد هذه الحادثة الحزينة سيتعرف على مقدراتها الخاصة فيما بعد حين تطلب منه أن يقلها بالسيارة إلى جنازة والدتها. ولن نكتشف تلك الخصوصية والإمكانيات الخارقة التي تنضوي تحت كلمة «خاصة» إلا حين نرى ماريا وقد تقمصت روح أمها الغاضبة وأخذت تتحدث بصوتها لتوبيخ زوجها الذي كان سيفسد وقار جنازتها بسبب تعاطيه الكحول وفقدان توازنه بالتشاجر مع ابنتهما. وسيتبين أن ما دفع ماريا للاهتمام به هو نفس تلك القدرات التي جعلتها ترى أبعد من الزمن الراهن. فهي تعرف أنه سبق وأن جاء إلى هذا المكان كطفل مصاحب والدته التي تركته وذهبت، وأنه في حالة شديدة من الانهيار النفسي بسبب عدم مقدرته على تجاوز غياب أمه. وستقترب منه كثيراً إلى درجة التساؤل إلى أي درجة ستتعمق علاقتهما العاطفية؛ ففي هذه الرحلة سيتعرفان على بعضهما أكثر حين يجدان أنفسهما في أحد الطرق المقطوعة ليلاً، ويضطران لقضاء الليل في السيارة. ستخبره ماريا أنها رأته أكثر من مرة في أحلامها ولهذا هي تعرفه جيداً وستحاول تذكيره بمجيئه مع والدته إلى هذا الدير عندما كان طفلاً لكنه لن يتذكر شيئاً من هذا. وسيمضي هذا الحوار بينهما بشكل ملتبس لأنها ستطلب منه أن يعانقها وسيفعل ولكن فجأة سنراه وقد استيقظ مذعوراً من إحدى كوابيسه ليتبين له أن ماريا كانت في الكرسي الخلفي وأنه نائم خلف مقود السيارة. هذا الانتقال بين الحلم والواقع سيتكرر فيما بعد ليلفت الانتباه إلى تشوش عقل جَنغ ـ وُ الذي أفسده الإدمان. فالأحداث تأتي كأحلام يقظة أو أحلام ليلية وكوابيس. ولكن أصبح على يقين بأن الراهبة الشابة ماريا تعرف الكثير عنه، وأنها مطلعة على تفاصيل خاصة جداً ما كان لأحد أن يعرفها لو لم تكن لديه قدرات خارقة لا تتوفر في البشر العاديين الذين لا تُعدُ هي واحدة منهم. أما والدته التي نراه معها في بداية الفيلم فسيتضح أنها واحدة من هلوساته وألاعيب دماغه الذي أعياه الكحول. وهذه الألاعيب ستصبح أكثر ملاحظة مع تسلسل الأحداث. فيلم مدروس إن التناول السردي والإخراجي في هذا الفيلم يكمل بعضه بشكل يدعو للدهشة، ويحبس الأنفاس ولكن دون توتر بل بهدوء جم وذكاء حاد وحساسية فنية مرهفة وعالية وفريدة من نوعها في سينما العالم اليوم. فالشخصيات مدروسة فلسفياً وروحياً ونفسياً بدقة شديدة، والجانب البصري المتمثل في الشكل يعتمد على ميزان ـ سين فيه وحدة متماسكة ككل وكأجزاء متمثلة في المشاهد. إن كل مشهد يُعتبر لوحة فنية قائمة بذاتها والشخصيات تتحرك في فضاءاتها بسلاسة تذكرنا بمدارس بداية ومنتصف القرن العشرين في أوروبا بجزأيها الشرقي والغربي فيما يتعلق بالدراسة المحكمة للكتلة والفضاء في المشهد الواحد. ولكن كيم هي ـ جَنغ صاحبة الخبرة الإخراجية الفذة إلى جانب إمكانياتها ككاتبة وممثلة تتمتع بحس حديث ومتدفق بالمشاعر الإنسانية القادرة على التقاط سمة العصر بما فيه من تضارب وتعقيد ينعكس على الشخصيات بأوضاعها المركبة وأحاسيسها المتداخلة ضمن علاقات متشابكة وصعبة. وهي تجيد خلق هذه الشخصيات مستفيدة من القراءة العميقة للتاريخ بمعطياته الروحية والفلسفية، وتجيد بالمستوى نفسه إدارتها وتحريكها إلى درجة تجعلنا لا نشعر بأنها تؤدي أدواراً بقدر ما هي تسرد حكاياتها وهواجسها الشخصية. هناك دراسة معمقة في الأحلام وتقاطعها مع الحالات المرضية الناتجة عن التخلي عن الإدمان. وهناك أيضاً الوعي الديني المنسجم مع مبدأ الطهرانية وفلسفة الفداء المتضمنة في الديانة المسيحية. ويأتي هذا مقابل الشخصية الشابة غير المتماسكة التي تمثل الواقع الراهن لشريحة معينة في المجتمعات الحديثة اليوم. غير أنها لا تسقط في شرك الحلول الاجتماعية والخطابات المباشرة لتحليل الواقع. إنها بدلاً من ذلك تختار لشخصياتها زاوية نائية من العالم لتحل تعقيداتها وتواجه هواجسها وكوابيسها فيه بلغة سينمائية تتبنى فلسفة الجمال شكلاً ومضموناً. فهي تبتكر لنفسها أسلوباً أصيلاً ينتمي إلى سينما آسيا الشرقية من ناحية الروح والأسئلة الوجودية، ولكنه يتفرد بنفسه من ناحية التجربة السينمائية. هذه التفاصيل المتعلقة بمضمون القصة لها ما يعادلها في سياق التناول الإخراجي المحبوك والمرتبط ببناء النص والحالات النفسية وصراع الشخصيات مع ذواتها ومع بعضها من ناحية والمدروسة حسب جماليات الصورة وتطابق الشكل مع المحتوى من ناحية ثانية. عزلة المكان المكان الذي تجري فيه الأحداث هو أيضاً منعزل كحالة العزلة التي يعيشها كل من جَنغ - وُ وماريا، وكلاهما يتواجدان فيه لتجاوز أنفسهما والذهاب بشكل أعمق إلى دواخلهما والانتصار على نقاط ضعفهما. لكنه يظهر في البداية وكأنه مقفر وحسب، لكن وبعد أن يتقدم فصل الشتاء ويزداد هطول الثلج وتزداد حالة هذيان جَنغ ـ وُ المرافقة للأعراض الانسحابية للعلاج من الإدمان يتحول الثلج إلى حلبة صراع جديدة. إنه يشبه المفازات التي تلتقي فيها الأرواح لتتواجه مع بعضها وتُنهي صراعها الدنيوي. وفوق الثلج يصبح كل شيء في غاية الوضوح. وفي هذه الأثناء بالذات تظهر شخصية جديدة في الفيلم هي شخصية صياد عابر يتوقف في الدير بشكل لا يبدو مفسراً تماماً، ويشارك هذا الصياد جَنغ ـ وُ الغرفة نفسها فتحدث حالة مراقبة بينهما. فجَنغ ـ وُ الذي تكون الراهبات قد فرضن عليه رقابتهن المشددة حتى لا يستطيع إبقاء أي كحول معه في الغرفة، والذي يكون قد وصل إلى أقصى حالات صراعه مع نفسه لتجاوز إلحاح تعاطي الكحول، يتوهم أن الصياد يحمل معه في حقيبته زجاجة كحول ويكون في حالة ترقب دائمة للانقضاض على تلك الحقيبة والاستيلاء على ما بداخلها. الصياد من ناحيته يكون مدركاً لذلك ولكنه يستمر في متابعة حالة جَنغ ـ وُ بخبث. سيتابع على سبيل المثال سقوطه المتكرر في سلسلة من الهذيانات والهلوسات بسبب الحمى وضعف جسده، وسيتساءل عن سبب مناداته لأمه وهو نائم، لكن الأخير سيبقى في حالة رغبة مستمرة لسرقة الحقيبة للحصول على ما بداخلها. فذات مرة يطلب الشاب منه أن يستخدم هاتفه ليتصل بأمه فيعطيه الصياد هاتفه المحمول. ومع أن جَنغ ـ وُ يخرج للتحدث مع والدته ونسمعه يقول لها أنه بخير إلا أن الصياد يكتشف أمراً هاماً سيؤدي إلى لحظة حاسمة في مسار القصة كلها، وهي أول الأضواء التي ستميط اللثام عن السر الذي يحيط بجَنغ ـ وُ من جهة وبه نفسه من جهة ثانية. في أول مواجهة بينه وبين الصياد سيفتح الصياد أمامه حقيبته ليثبت له عدم وجود كحول بداخلها كما كان يظن، وإنما وعاء فيه رُفات زوجته ويخبره أنه جاء لدفنه في مقبرة الدير. وحينها يحاصر جَنغ ـ وُ متهماً إياه بالكذب لأنه تأكد أنه لم يتصل بأحد حين طلب الإذن باستخدام هاتفه حيث لم يلاحظ أي رقم جديد في سجل المكالمات الخارجة، وأن الشاب كان يتحدث مع نفسه حينها على الهاتف. ويحاصره أكثر حين يقول له إنهما يتشابهان ويطلب منه الخروج معه إلى الصيد حيث لم يعد أمامه سوى خيارين: إما أن يقتل الصياد ليخلصه من نفسه أو يدع الصياد يقتله ليتخلص هو من نفسه. بالنظر إلى المرحلة التي وصل إليها جَنغ ـ وُ في العلاج من الإدمان فإنه في ذروة الإحساس بالانهيار والرغبة في الموت، وهي واحدة من الأعراض الانسحابية المصاحبة لرحلة الشفاء وهي المرحلة التي يصل فيها المريض إلى أقصى حالات الهذيان والهلوسة وهي تشبه الفطام المؤلم. يتجلى ذكاء الكاتبة/المخرجة هنا حين تشكل هذه المشاهد وتجعل توقيتها في بناء الفيلم يأتي بموازاة لحظة المواجهات مع الصياد؛ حيث سيبدأ الحديث فيها عن الموت بشكل مكشوف وأكثر وضوحاً لا كما كان رمزياً في البدء حين سأل جَنغ ـ وُ ماريا عن الأسماء المكتوبة على الأشجار وأجابته بأنها أسماء الموتى المدفونين تحت جذوعها. سيتزامن هذا الحوار أيضاً مع الخروج لمفازة الصيد ويتواجه الصياد مع جَنغ ـ وُ مواجهة الأرواح الغاضبة من بعضها ومن نفسها بنفس الدرجة، وسنرى أن كليهما بحاجة للخلاص من العذاب الذي هو فيه. لكن الصياد هو من سيكون أكثر إصراراً وتحريضاً لجَنغ ـ وُ على أن يقبل باللعبة ويضغط على الزناد. وأثناء صراعهما على من سيتجرأ على قتل الآخر أولاً سيفقد جَنغ ـ وُ بندقيته وستكون ماريا قد خرجت للبحث عنه في العراء، وفي اللحظة التي سيطلق الصياد رصاصته باتجاه الشاب ستكون ماريا هي التي تتلقاها نيابة عنه بعد أن تكون قد نجحت في إنقاذه. وبما أن كل شيء يتجلى أمام البياض الهائل فإن دماء ماريا ستكون أكثر ما يمكن أن يُرى فوق بياض الثلج العارم. إنه رمز الفداء والوفاء بالعهد لأنها قالت إنها ستمضي في الصلاة والتضرع لأجله وكنا قد رأيناها سابقاً من خلال عين جَنغ ـ وُ الذي كان يراقبها خلسة وهي تصلي في الدير وكأنها ترتفع عن الأرض في حالة تحليق أمام المذبح. المزيد من الكشف سيعقب هذا المشهد الذي سيعكس الحالة الصحية لجَنغ ـ وُ. فكل هذا هو من هذيانات الحمى التي كانت تشتد كلما اشتدت حالته، وسيتضح أن الصياد هو شبيه والده حيث سيرى أمه في حلمه/أو هلوسته وهي تمسك بيده حين كان طفلاً في يوم ثلجي وتقترب من الدير بحزن شديد. وبعد أن تتركه نراها في حالة بكاء شديدة وهي تتحدث إلى رجل نراه من الخلف، وعندما يلتفت باتجاه الكاميرا نتعرف على وجه الصياد في ملامحه وبالطبع يتعرف جَنغ ـ وُ حين يستفيق من هذياناته الأخيرة على جذور مشكلته. يبحث عن ماريا فيخبرونه أنها ذهبت إلى دير آخر وأنها ستتواصل معه في وقت قريب. أما المشهد الأخير للفيلم فهو يعيدنا إلى واحدة من اللقطات الأولى حيث الأشجار العالية/أو المقبرة التي ترجّل فيها لحظة وصوله إلى منطقة الدير في بداية فصل الشتاء. حينها فقط نعرف أن حقيبة اليد الوحيدة التي كان يحملها على كتفه كانت تُخبئ وعاءً شبيها بالوعاء الذي كان مع الصياد وأنه يحتوي على رفات أمه هو، وأنه جاء ليتخلص من إدمانه ويدفن رفات أمه في مقبرة الدير ليحرر روحها التعبة بسبب قلقها عليه وليتحرر هو أيضاً من تعلقه بها حيث آن الأوان ليجعلها تستريح تحت جذع إحدى تلك الأشجار التي يكسوها الثلج. وسيسير في الدرب الثلجي الذي سار فيه حين وصل بقلب يبدو أنه شفي من الحزن على الرغم من أن وجهه يحمل حزناً آخر؛ إذ أن عيناه صارتا تبحثان عن ماريا. إن فيلم دروب الثلج للكاتبة/المخرجة الكورية كيم هي ـ جَنغ والتي تلعب كذلك دور رئيسة الدير فيه هو مستوى سينمائي مختلف وغير عادي من ناحية الكتابة والبناء والتناول والأسلوب السردي والإخراجي. إنه فيلم يستحق المشاهدة لأكثر من مرة وهو محرض رائع على عشق السينما المختلفة. الموت والحب في مواجهة الذات المعذبة بسبب الفقد ............. صياغة سينمائية بلغة بصرية أنيقة لعلاقات إنسانية معقدة كيم هي ـ جَنغ ولدت كيم هي ـ جَنغ في كوريا الجنوبية في العام 1970. ودرست في معهد سيؤول للفنون كتابة السيناريو. وفي عام 1997 إلتحقت بالكلية البولندية الوطنية للسينما في لودز. أخرجت العديد من الأفلام القصيرة. يعتبر فيلم «دروب الثلج» هو ثالث أفلامها الطويلة بعد فيلمي «سنوات الدهشة» و»حلوى العنب». وكانت كيم هي ـ جَنغ قد حصلت على منحتي مهرجان كان للإقامة في باريس لكتابة فيلميها الطويلين السابقين لـ «دروب الثلج». أما أحد أفلامها القصيرة بعنوان «موعد» فقد لفت الانتباه إلى موهبتها على الصعيد الدولي بعد أن شارك في العديد من المهرجانات الدولية ومنها كليرمونت ـ فيراند و شيكاغو و إدنبرة وميونيخ وحاز جائزتين من مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي ومهرجان كراكو لأفلام الطلبة. أما فيلمها «سنوات الدهشة» فقد حاز جائزة أفضل فيلم روائي لمخرج جديد من مهرجان سيؤول للسينما المستقلة وعرض في طوكيو فيلم ـ اكس ومهرجان وارسو السينمائي الدولي والعديد من المهرجانات السينمائية الأخرى.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف