• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الهاتف الجوّال والملكة الشرّيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يوليو 2015

أمبيرتو إيكو

فيما كنت أسير على الرصيف مؤخراً، صادفت امرأة تتقدّم باتّجاهي. كان وجهها ملتصقاً بهاتفها الجوّال، ولم تتنبّه إلى أين تسير. ولو لم أفسح لها السبيل، لاصطدم أحدنا بالآخر. وبما أنّني أضمر الشرّ في صميمي، توقّفتُ فجأة واستدرتُ، فارتطمت المرأة بظهري وأوقعت هاتفها. وسرعان ما أدركت أنّها اصطدمت بشخص لم يكن قادراً على رؤيتها، وكان من واجبها هي أن تبتعد. وراحت تعتذر متلعثمةً، فأجبتها بلطفٍ أنّ هذه الأمور تحصل دوماً في هذه الأيّام.

أتمنّى أن يكون هاتف تلك المرأة تحطّم عندما أوقعته، وأوصي كلّ من يصادف وضعاً مشابهاً بالتصرّف مثلي تماماً. وأنا طبعاً من مؤيّدي خنق مستخدمي الهاتف بطريقة مرضيّة منذ الولادة، بيد أنّ الطغاة أمثال هيرودوس لا يأتون إلى العالم كلّ يوم. وحتّى لو عاقبنا هؤلاء الناس عندما يكبرون، قد لا يفهمون يوماً عمق الهوّة التي وقعوا فيها. وفي النهاية، سيثابرون على عادتهم المزعجة هذه، بغضّ النظر عمّا نفعله.

أُدرِك تماماً أنّ الكثير كُتِب حتّى الآن حول استعمال الهواتف الجوّالة. وبالتالي، ليس لديّ ما أضيفه حول الموضوع. ولكن لو فكّرنا في المسألة بوضوح للحظة، لأصابنا الذهول بكلّ بساطة، لأنّ هذا الجنون مسّنا جميعًا تقريباً، وما عدنا نتحادث تقريباً وجهاً لوجه، أو نفكّر في مسائل الحياة والموت الملحّة، أو ننظر إلى المناظر الريفيّة تمرّ أمام أعيننا عبر النافذة. وبدلاً من ذلك، يصيبنا هوس التحدّث عبر الهاتف، فنتناول مواضيع قلّما تكون ملحّة، ونهدر حياتنا في حوار مع شخص لا يمكننا حتّى أن نراه.

نعيش اليوم في حقبة، تمكّنت فيها البشريّة للمرّة الأولى من تحقيق رغبة من بين ثلاث رغبات جامحة تلازمنا منذ قرون، ولا يمكن أن يلبّيها إلاّ السحر. والرغبة الأولى منها على صلة بالقدرة على الطيران – ولكن ليس على متن طائرة، بل عبر استعمال أجسامنا، والتصفيق بذراعينا. أمّا الرغبة الثانية، فعلى صلة بقدرتنا على التأثير في أعدائنا – أو أحبّائنا – مباشرةً، عبر شكّ الدبابيس في دمى أو دمدمة كلمات غامضة، في حين أنّ الرغبة الثالثة على صلة بقدرتنا على التواصل الفوري عبر المسافات الشاسعة. ولطالما تمنّينا رؤية جنّي أو أداة سحريّة قادرة على نقلنا بلمح البصر من مقاطعة فروزينوني إلى جبال بامير، أو من إينيسفري إلى تمبكتو، أو من بغداد إلى بكبسي [في نيويورك]، وها قد حصلنا على ذلك. ما الذي دفع بالبشر، على مرّ القرون، إلى التوجّه نحو الممارسات السحريّة؟ السرعة، لأنّ السحر يعِدُك بالقفز فوراً من السبب إلى التأثير – ومن النقطة «أ» إلى النقطة «ب» – عبر سلوك طريق مختصر، ومن دون أيّ خطوات مرحليّة. وبهذه الطريقة، من شأني أن أدمدم وصفة وأحوّل الحديد إلى ذهب، وأن أستدعي الملائكة وأبعث برسائل من خلالهم. والواقع أنّ الإيمان بالسحر لم يتلاشَ مع ظهور العلم. وما فعلناه، بل بكلّ بساطة، هو تحويل رغبتنا نيل الأمور فوراً إلى التكنولوجيا. وهكذا، يكفي أن تنقر زرّاً على هاتفك الجوّال في روما، وسيجيبك في ظرف ثوانٍ صديقك في سيدني.

نعرف أنّ تقدمّ العلم والتكنولوجيا بطيء، ويتطلّب بحوثاً حثيثة – ومع ذلك، نتمنّى إيجاد علاج للسرطان الآن، وليس غداً. وبدلاً من أن ننتظر سنوات، نضع ثقتنا في طبيب-معلّم، يقدّم لنا وصفة سحريّة وفوريّة لشفاء جميع أمراضنا.

ثمّ علاقة وثيقة بين حماستنا حيال الراحة التي توفّرها التكنولوجيا من جهة، وبين ميلنا إلى التفكير بالسحر من جهة أخرى. وهي مرتبطة إلى حدّ كبير بالأمل الذي يبثّه الدين في نفوسنا، بإيجاد حلول على جناح السرعة بفضل المعجزات. وطوال قرون، حدّثنا اللاهوتيّون عن الأسرار، وجادلوا قائلين إنّ تصوّرها ممكن، لكنّ سبر أغوارها مستحيل. والواقع أنّ الإيمان بالمعجزات يعطينا صورة عمّا هو مبجّل، ومقدّس وإلهي، فتأتينا النتائج بسرعة البرق.

هل يعقل وجود رابط بين الأشخاص الذين يعدون بإيجاد علاج فوريّ للسرطان، والمتصوّفين أمثال بادري بيو، والهواتف الجوّالة، والملكة الشرّيرة في «بياض الثلج»؟ الأمر كذلك إلى حدّ ما، فالمرأة التي تحدّثت عنها في بداية مقالتي كانت تعيش في رواية «من صنع الخيار»، وقد وقعت أسيرة الهاتف الجوّال في أذنها، بدلاً من أن تأسرها المرآة السحريّة.

(خدمة نيويورك تايمز)

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف