• السبت 08 ذي القعدة 1439هـ - 21 يوليو 2018م

اختفاءُ 60 بالمئة من معالم المدينة بعد الحرب وتغييرُ هويتها الثقافية

تحوّلات بيروت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 نوفمبر 2017

ثناء عطوي

المدن القديمة ووسطها، حيث عُمق الأشياء وأصلها، المدن التي نجدُها أينما ذهبنا، في باريس، ولندن، وبراغ، وبولونيا، وفلسطين، وسوريا، والعراق وغيرها. مدنٌ تقترضُ تفاصيل الحياة من بعضِها بعضاً، ترتبطُ مع سكّانها بعلاقة تجاذبية، تتطوّر بعفويّة، وتتفاعل مع احتياجات ناسها الاجتماعية، مدنٌ أثّث ناسها حيواتهم بروحٍ جمعية، توارثوا أنماط العيش، والطبائع، والعادات، واللهو، والطهو. مدنٌ شُيّدت عمارات لها وحدها، وليس لأماكن أخرى، للجماعات التي تسكنها، وليس لجماعات بديلة.

تلك المدن نجدها أينما كنّا، لكننا لا نعثرُ على أثرٍ لها في بيروت، المدينة التي كانت تتغنّى بوسطها التقليدي، بأسواقها وساحاتها ومسارحها ومراكز الثقافة والفن فيها. ذلك المحو المتعمّد لمدينة، لأحياء كاملة، لوسط قديم حامل للثقافة والذاكرة وخرائط العمران، هو ما ينشغل به ثمانية فنانين ومهندسين لبنانيين في معرضهم الجماعي «مؤقّت: تحوّلات بيروت 1870 - 2052»، المعرض الذي يُجمع فيه الفنانون على رفضهم لاغتيال مدينة، واقتلاع أهلها، وطرد الفقراء منها، واستبدالها بأخرى، هجينة وغريبة، مُسيّجة بالوهم والفراغ.

عندما تقعُ الحروب والنزاعات وتستمرّ لسنوات، فإنها تُنتج مُجتمعات مشوّهة من النواحي كلّها، وخصوصاً العمرانية منها، وهذا ما حصل خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرّت منذ العام 1975 وحتى 1990، وتركّزت المعارك خلالها في وسط بيروت، الذي أصبح بين ليلة وضحاها، خطوط تماس فاصلة بين البيروتين: الشرقية التي تمثّل الطائفة المسيحية، والغربية حيث يعيش السكان المسلمون.

الأبنية الشواهد

وقفت أبنية بيروت كشواهد على الحرب التي وقعت قبل ثلاثين عاماً، تعاملت خُطط الإصلاح والترميم مع معظمها، وما تبقّى منها اندمج إلى حدّ كبير بنسيج المدينة ومعالمها. لكن الطبقة السياسية التي جاءت مع انتهاء الحرب الأهلية، حملت معها خططاً إعمارية مختلفة لوسط المدينة. إذ رأت فيها استثماراً هائلاً في حال دمجها بالعمارة المُعولمة، ومشاريع استثمارية تدرّ ملايين الدولارات على فئة محدّدة من الطبقة السياسية في البلاد، وذلك على قاعدة تغيير الهوية الثقافية والمجتمعية، تجانساً مع رأس المال. هكذا نزعوا البعد الإنساني عن قلب بيروت العريق، وألبسوها قناعاً يناسب طموحاتهم الاستثمارية، غرّبوا أهلها وقطعوا صلتها بماضيها وجعلوها حكراً على الشركات وأصحاب المشاريع. من هنا، يأتي المعرض ليروي من خلال الصور الفوتوغرافية والأرقام، ومن خلال المجسّمات الحديدية واللوحات التشكيلية، حقائق علمية مذهلة، عن زوال 60 بالمئة من المدينة بالكامل، وهو ما أكّده المهندس أنطوان عطالله، الذي صمّم صورتين بانوراميتين لبيروت، وثّق فيهما الأبنية التي تمّت إزالتها من قبل سوليدير، منذ سنة 1952 وحتى اليوم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا