• الأحد 06 شعبان 1439هـ - 22 أبريل 2018م

«أنسنة» أحواض عيش الناس

المدينة.. امتداد مادي للخيال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 نوفمبر 2017

محمد نور الدين أفاية

من المعروف أن أغلب المفكرين والفلاسفة الذين عبَّروا عن تبرم ما من الوقائع العامة التي عاشوا فيها، واقترحوا عوالم مغايرة يسودها العدل والمساواة والأخلاق والتعايش، ربطوا بين أساليب ترتيب الفضاء المديني بمشروع مجتمعي، حتى وإن استندت تصوراتهم إلى رؤى طوباوية وخيالية. اقترن استشراف مجتمعات بديلة دوما باقتراح قواعد لمدن «فاضلة»، إلا أن الفرق بين «المدينة الفاضلة» و«المدينة الواقعية» هو أن الأولى نتاج رؤية طوباوية، بوصفها رؤية لا تعتمد على مكان، بل رؤية اللامكان ذاته، في حين أن المدينة كما يتم بناؤها على الأرض والواقع، فإنها امتداد مادي لخيال الإنسان، وترجمة لحاجاته ولرغباته في الحركة والاستقرار بهذه الطريقة أو تلك.

وإذا كانت المدينة، بمعناها الكلاسيكي، تشير إلى تجمع من المساكن في شكل أزقة وأحياء، فإن هذا المعنى بقدر ما هو وصفي، يوحي بتكتل أناس فيما بينهم في إطار فضاءات متجاورة. غير أن أغلب الاجتهادات النظرية التي جعلت من المدينة موضوعا للتفكير والبحث، تلتقي حول مفهوم المركز، أي أن المدينة، كيفما كانت أشكال ترتيبها ومرجعياتها الثقافية، يكون لها مركز يساعد على اللقاء، وعلى التبادل بين الناس، وتسندها أطراف تمنحها معاني ودعائم إضافية، كما قد تكون مكونات هذه الأطراف عناصر تشويش على نظام المركز.

فرجة خاصة

يستجيب تنظيم المدينة لإيقاع تحركات الناس، لمستوى الحركة الاقتصادية، للحاجات الاجتماعية والثقافية، على اعتبار أن النسيج العام داخلها يولد لدى كل فرد أو مجموعة قدرة على المشاركة في العلاقات العامة، أو عدم المشاركة بالنسبة للفئات الهامشية. لذلك فإن كيفية ترتيب المركز المديني والإيقاع الذي يميزه، حسب المجتمعات والثقافات، يجعل منه - أي من مشهد المركز- فرجة خاصة. فالمدينة الإسلامية، مثلاً، تعطي للمركز، فضلاً عن شروط الحياة، كل دلالات الفرجة، من ألوان وأصوات وحركات ومشاهد. نجد حول المركز، في غالب الأحيان، أسواق الحرفيين والتجار، كما يتوافر على أهم المؤسسات الضرورية للحياة الروحية والمادية، حيث المسجد، والكتاب القرآني، والحمّام، والسوق... إلخ.

ولذلك فالتفكير في المدينة والتمدّن وفي ما هو «حضري» يتطلب تفكيراً أولياً حول الحياة التي نتطلّع إليها، أو نريد أن نحياها. ومن ثمّ لا ينفصل فعل التفكير في المدينة عن الحاجة إلى التزام مسافة نقدية إزاء المجتمع الذي نعيش فيه. هذا علماً بأن الاهتمام بالمدينة يستدعي درجة من التواضع، بحكم أن المدينة أو المسألة الحضرية والتمدّن موضوعات مركّبة، بحكم كونها تحيل على مختلف المستويات الاجتماعية والسياسية والوظيفية والثقافية والإيكولوجية والتكنولوجية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا