• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الجماعات والملل والنحل والمذاهب جنود الشيطان لجعل الواحد متعدداً، ولإلباس الباطل ثوب الحق. وأشد ما ابتُليت به الأمة اليوم هو شيوع الباطل الذي يرتدي ثياب الحق

جماعات الرياء.. عروض أزياء!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 29 يوليو 2015

السياسة تتعدد لأنها من صنع أهواء البشر والتعدد في السياسة محمود ولا مفر منه؛ لأن الأهواء والأذواق مختلفة ومتخالفة ومتعارضة، ولو اتفقت الأذواق لبارت السلع في الأسواق - أما الدين فلا يتعدد لأنه من عند الله. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. والتعدد في الدين مذموم لأنه إقحام لأهواء البشر فيما أنزل الله. وكل الجماعات التي ترفع لافتة الإسلام من «الإخوان» إلى «داعش» على باطل؛ لأنها قسمت ما لا يقبل القسمة، وفرقت ما لا يقبل التفرقة، وعددت ما لا يصح ولا يجوز فيه التعدد. فالإسلام لا يوصف ولا يضاف ولا يضاف إليه. فالدين واحد لأنه من عند الواحد والسياسة متعددة؛ لأنها من صنع متعددين ومختلفين. «ولو كان في الأرض والسماء آلهة إلا الله لفسدتا، ولذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض». وتعدد الجماعات والمذاهب في الدين يساوي تماماً تعدد الآلهة، أي أنه يعني الشرك بالله - فلكل جماعة صنم من البشر أو الفكر تعبده من دون الله أو تدعي أن هذا الصنم يقربها من الله تعالى زلفى - ووصف الإسلام، أو إضافته، أو وصف المسلم، أو إضافته باطل ويبلغ حد الشرك - لأن وصف الإسلام أو إضافته يعني وصف الله عز وجل وإضافته (تعالى عن ذلك علواً كبيراً) - والانتماء والانضمام إلى جماعة أو منظمة أو مذهب أو حتى مناصرتها بمجرد التعاطف يدخل المنتمي والمتعاطف في دائرة وزمرة الفرق الهالكة. وقد قلنا من قبل إن كل الفرق هالكة بمجرد أن حملت لافتة أو اسماً أو موقعاً إلكترونياً؛ لأنها ميزت نفسها عن سائر المسلمين بشعار أو راية أو مقر. ودخلت نفق التعدد والشرك المظلم - كما دخلت مستنقع النفاق والرياء - وقد قيل في تفسير قوله تعالى (أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا)، إن ذلك يعني ذهاب الطيبات بالرياء - لأن فعل الخير رياء هو الشر بعينه - وكل الجماعات والمذاهب والمنظمات التي ترفع لافتات إسلامية هي جماعات المرائين المنافقين الذين يطلبون الدنيا بالدين ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، وأولئك لا خلاق لهم (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)، أي من عمل طيب وفيه خير وجلب لهم التصفيق والهتاف والتعاطف والنجومية، فجعله الله هباء منثورا يوم القيامة لأنهم أخذوا أجرهم في الدنيا من الذين عملوا من أجل كسب إعجابهم رياء ونفاقاً.

باطل ما يصنعون ويقولون وما يأفكون من جماعات ونحل ومذاهب ومنظمات، لأن الإسلام لا يوصف، ولا يضاف، ولا يضاف إليه.. فلا وجود لإسلام سُني وإسلام شيعي وإسلام صوفي وإسلام سلفي وإسلام «إخواني» وإسلام «أخواتي» وإسلام معتدل وإسلام متطرف وإسلام فارسي وإسلام عربي وإسلام عثماني وإسلام مملوكي - فتلك قسمة ضيزى - وإنما هو إسلام واحد، ومن تسمى أو تحزب أو تحيز إلى فئة أو تحرف إلى قتال مع فرقة فقد ضل ضلالاً بعيداً ومبيناً وسقط في الفتنة والنفاق والرياء، وألبس الإسلام الواحد ثوب السياسة المتعددة واتخذ إلهه هواه ووجب قتله قتل عاد وإرم - فمن أراد السياسة فليعدد ما شاء له التعدد، ومن أراد الدين فليس هناك سوى دين واحد، فإذا عدده فقد اشرك بالله ما لم ينزل به سلطاناً.

واحسب أن التعدد والجماعات التي ترفع راية ولافتة الإسلام، هي دليل ساطع وناصع على غضب الله وليس صحيحاً أبداً أنها دليل على المد الديني والانتشار الواسع للتدين - أنها دليل على سخط الله وعلى انتشار الفتن والشرك، لأن من غضب الله وسخطه أن يلبسنا شيعاً وأن يذيق بعضنا بأس بعض - فالجماعات والملل والنحل والمذاهب جنود الشيطان لجعل الواحد متعدداً، ولإلباس الباطل ثوب الحق. وأشد ما ابتليت به الأمة اليوم هو شيوع الباطل الذي يرتدي ثياب الحق. وانتشار الآلاف والملايين من الذين زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسناً، والذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - وهؤلاء هم المراؤون المنافقون. ومن غضب الله أن يلبسنا شيعاً وفي ذلك يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: يلبسكم شيعاً أي الأهواء المختلفة - أو الجماعات والفرق - ويقول مجاهد: إنها الفتن والاختلاط والمعنى واحد وان اختلف اللفظ، فالأهواء المختلفة هي نفسها الفتن والاختلاط.

وجماعات الرياء التي تسمى إسلامية جماعات مشركة ويقول كل العلماء إن قوله تعالى: (ولا يشرك بعباده ربه أحدا)، أي لا يرائي بعمله أحداً لأنه يعمل عملاً لا يقصد به غير وجه الله تعالى.

وروي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية»، وروي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة من يرى فيه خيراً ولا خير فيه»، وقال عبد الله بن المبارك: «أفضل الزهد إخفاء الزهد» - أما إظهار الزهد، فهو طلب للدنيا بالدين، كما تفعل جماعات الرياء بالدين - أو جماعات (المكياج) الديني - فدين هؤلاء زينة كزينة النساء ومساحيق كمساحيق النساء - لذلك تدخل النساء في هذه الجماعات أفواجاً لأن النساء أساتذة الرجال في الرياء والنفاق والمظهرية.. ولأن كل شيء في المرأة سطحي وقشري ومظهري - جمالها وقولها وفعلها وعملها وتدينها وزواجها وطلاقها - حياة المرأة في الرياء والمظهر الذي بلا جوهر - والتقليد والمحاكاة بلا فكر.. كما أن حياتها في الدجل والشعوذة وهذه الجماعات كلها فرق دجل وشعوذة ورياء ومظاهر بلا جواهر ورياء بلا صدق ولا تقوى - وقد مر أبو أمامة، رحمه الله، يوماً ببعض المساجد، فإذا رجل يصلي وهو يبكي، فقال له: أنت... أنت يا هذا - ليت ذلك يكون في بيتك - أي ليت بكاءك يكون في بيتك لأن في بكائه أمام الناس رياء.

وقد يقول قائل ويسأل سائل: أيمكن أن تركب هذه الجماعات الإخطار وتعرض نفسها للموت بلا تقوى أو عقيدة أو تدين؟ فأقول وأسأل أنا أيضاً: إلا تركب عصابات السطو المسلح وقطاع الطرق الإخطار وتتعرض للموت، وهي تمارس جرائمها؟ أليست عصابات المافيا تخوض بحار الدم وتفقد المئات من أعضائها وهي ترتكب جرائمها؟ - هي مجرد لافتات مختلفة، لكن الإجرام واحد والإرهاب واحد - وجماعات الرياء الإسلامي مثل عصابات المافيا وقطاع الطرق ولصوص السطو المسلح لها معجبون وأنصار وأناس يصفونها بالشجاعة والقوة ويتابعون جرائمها بمنتهى الإعجاب - أنزع اللافتات وعندئذ لن تجد فرقاً وستقتل الجميع حرقاً - فعصابات المافيا والسطو المسلح مثلها مثل جماعات الرياء الإسلامية لا وطن ولا دين لها أو ملة - تماماً مثل الصعاليك في الجاهلية الذين كانوا يبررون لصوصيتهم وسطوهم وجرائمهم بانهم يسرقون الأغنياء ليعطوا الفقراء فحصدوا جماهيرية ونجومية في زمانهم بهذا التبرير الخائب والخبيث.. وهي نفسها كذبة الاستحلال التي اتبعتها الجماعات الإرهابية لتبرير السطو والسرقة والترويع.. إنها جماعات الباطل والرياء التي جعلت التدين مظهرية وعروض أزياء!

محمد أبوكريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا