• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الرسالة الموجهة لدول «اليورو»: إذا أردتم أن تتمتعوا بالتجارة، وبالتسهيلات، عليكم عدم انتخاب «اليسار المتطرف» و«اليمين المتطرف»، لأن الاتحاد النقدي الذي تقوده ألمانيا سيقاوم ذلك

منطقة «اليورو».. الألمان في المرصاد!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 28 يوليو 2015

الصفقة التي أبرمها القادة الأوروبيون، مع رئيس الوزراء اليونان«اليكسيس تسيبراس»، ستنتهي بالفشل على الأرجح. لماذا؟ لأن من الصعب تخيل دولة لم تخسر حرباً، تقوم بتسليم سيادتها لغيرها. ولكن الاتفاق أظهر، مع ذلك، أن العملات المشتركة مثل «اليورو» لديها قدرة ضئيلة على التسامح، مع تطرفات الديمقراطية الأكثر جموحاً. قليلون هم من يتذكرون البرنامج الذي جاء على أساسه حزب «سيريزا» الذي يقوده تسيبراس للسلطة في يناير الماضي؛ والذي كان يقترح اتخاذ إجراءات مكلفة لإعادة بناء دولة الرفاه، ويتحدث عن الحاجة لشطب الديون اليونانية، مثلما فعلت الدول الدائنة مع المانيا عام 1953، ويوجه نقداً شديداً لرئيس الوزراء السابق، أنطونيوس ساماراس، لامتثاله لرغبات الآخرين، أكثر مما ينبغي.

معنى ذلك أن تسيبراس لم يكن يريد وفقاً لهذا البرنامج التحالف مع الألمان؛ ولكننا نراه يوافق الآن على السماح لهم وللدول الأوروبية الشمالية، بالتحكم في الوزارات اليونانية، واستخدام حق الفيتو للاعتراض على مشروعات القوانين، والإشراف على إقامة شركة قابضة لتسييل- من خلال البيع للتصفية وغيره من الإجراءات- أهم ممتلكات وموجودات الدولة اليونانية؛ وهو ما يعني أن اليونان ستكون خاضعة لإشراف أجنبي لا يقل صرامة عن ذلك الذي أجبرت ألمانيا على الخضوع له، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.

بعد أن أهدرت اليونان فرصتها لإعلان توقفها عن سداد الديون المستحقة عليها والبالغة 310 مليارات يورو، والخروج من منطقة «اليورو»، فإنها تجد نفسها الآن، مضطرة للتفكير في إعلان عدم قدرتها على سداد مبلغ يصل إلى 350 مليار يورو، أو أكثر من ذلك، وتحمل العبء الإضافي الناتج خضوعها لخطة إنقاذ جديدة. اليورو، في أساسه وجوهره، هو خليفة المارك الألماني، بصرف النظر عن رأي الأوروبيين الآخرين فيه؛ لأن العملة الألمانية كانت أقوى من باقي العملات الأوروبية قبل إقامة الاتحاد النقدي، وهو ما يعني أن خروج ألمانيا من منطقة «اليورو»، سيعني نهايتها على الفور. ومعنى ذلك إنك إذا كنت تريد الاستمرار في استخدام عملة، هي في جوهرها، عملة ألمانية، فإنك يجب أن تكون أكثر شبها بالألمان؛ بمعنى أن يكون لديك عجز ضئيل في الميزانية أو حتى لا عجز، وأن يكون لديك انضباط ضريبي فائق، ونهج قائم على قواعد راسخة للحكم، ولإدارة الحياة الاقتصادية.

الأوربيون يحبون اليورو، ومعظمهم يبذل محاولات جادة كي يكونوا أكثر شبها بالألمان. فدول مثل إيرلندا، وإسبانيا، والبرتغال تحملت الآلام المرتبطة بخطط الإنقاذ المالي، وخرجت أكثر قوة من الناحية الاقتصادية. ليس هذا فحسب، بل إن المشهد السياسي بها أصبح أكثر شبهاً بمثيله في ألمانيا: فهو مشهد بات من الصعب فيه على نحو متزايد التمييز بين «يسار الوسط» و«يمين الوسط»، اللذين أصبحا يتناوبان على السلطة في تلك البلاد، بل وقد يتشاركان فيها أحياناً، في حين تم تهميش «اليمين المتطرف» و«اليسار المتطرف». الوضع في اليونان لم يكن كذلك حيث فاز «اليسار» المتطرف بالسلطة، وهو شيء كان أبعد ما يكون عن الألمان، وعن التشبه بنظامهم السياسي. وبالتالي فليس مستغرباً أن تكون المحصلة سواء من الناحية السياسية، أو ربما الاقتصادية؛ كارثية على اليونان.

الرسالة الموجهة لدول «اليورو» الأخرى هي: إذا أردتم أن تتمتعوا بالتجارة، وبالتسهيلات، وبمنافع معدل الفائدة للعملة الموحدة، فإنه يتعين عليكم عدم انتخاب اليسار المتطرف واليمين المتطرف، لأن الاتحاد النقدي الذي تقوده ألمانيا سيقاوم ذلك، ويجعل نتائج مثل ذلك الانتخاب مؤلمة. ككتلة تجارية، بل وكاتحاد كونفدرالي فضفاض، يتسامح الاتحاد الأوروبي مع المتطرفين السياسيين: فهو يستطيع أن يتسامح على سبيل المثال مع سياسي متعصب قومياً، مثل «فيكتور أوربان» في المجر أو شخص غريب الأطوار، مثل سيلفيو بيرلسكوني في إيطاليا، بل ويمكن أن يتحمل شخصية ماركسية مثل «تسيبراس»، أو شخصية كارهة للأجانب مثل «مارين لوبان»، لكن منطقة «اليورو» شيء آخر مع ذلك، فهي لا تعترف بالتنوع.

الآن سيكون اليونانيون والأوروبيون الآخرون بحاجة إلى أن يقرروا ماذا هم فاعلون بهذه المعرفة أو هذه الحقيقة. ليس من الضروري أن يمثل ذلك نهاية المشروع الأوروبي، وإنما هو لحظة من لحظات الوضوح والجلاء،التي يمكن من خلالها رؤية الطريقة التي تعمل بها طبقاته المختلفة.

ليونيد برشيدسكي*

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا