• الثلاثاء 08 شعبان 1439هـ - 24 أبريل 2018م

كان هناك اعتقاد سائد بأن الديمقراطية نظام بطيء الإنجاز، لكن هذا الاعتقاد تغير عندما بات من الواضح أن الديمقراطية أيضاً لديها أخطاء

ألمانيا..وديمقراطية الأخطاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 نوفمبر 2017

كلاوس برينكبومير*

لا شك أن انهيار المفاوضات حول تشكيل ائتلاف حكومي في برلين، بعيد كل البعد عن أن يمثل مجرّد أزمة ألمانية محلية. ولقد آن الأوان للسياسيين الألمان أن يدركوا ما الذي يصبّ في مصلحة وطنهم وبقية دول العالم الغربي. وفي بعض الأحيان، ننسى نحن أبناء الغرب أن نظرتنا للعالم لا تمثل إلا وجهة نظر واحدة خاصة بنا من بين العديد من وجهات النظر الأخرى التي تتبناها بقية الشعوب. وعلينا أن ندرك أيضاً أن مفاهيمنا المتعلقة بحقوق الإنسان وتمسكنا بالديمقراطية التحررية، لا تبدو أفكاراً جذابة لبقية شعوب العالم. فهل يمكن القطع بأن الأسلوب الغربي في الحياة متفوق من النواحي الأخلاقية؟ لقد تعودنا نحن الغربيين على استقراء وتفسير التاريخ بالطريقة التي تنعكس بشكل إيجابي على مزاجنا. وبعد سقوط الشيوعية عام 1989، نشر عالم السياسة الأميركي (ذو الأصل الياباني) فرانسيس فوكوياما كتاباً بعنوان (نهاية التاريخ)، وكان يقصد من هذا العنوان أن يشير إلى النصر النهائي الذي لا مراء فيه للقيم الغربية. وتنبأ من خلاله بأن يتبنى العالم أجمع النهج الديمقراطي لأن النظام السياسي المنتصر بات واضحاً تماماً.

ويدفعنا هذا «الاستنتاج المتسرّع»، الذي توصل إليه فوكوياما إلى التساؤل: كم من العبث تنطوي عليه هذه النظرة العالمية الآن، أي في شهر نوفمبر من عام 2017.

ومنذ أحداث شهر سبتمبر 2001 الإرهابية، أوقع الغرب نفسه في العديد من المطبات والعثرات. فلقد كان هناك التدخل العسكري المرير، الذي لا معنى له في العراق وأفغانستان وليبيا. وكانت هناك الأزمة المالية المختلقة ذاتياً لعام 2008، والتي لم تكن في حقيقة الأمر كارثة عالمية الطابع، بل إنها حدثت بين دول الأطلسي للحد من النمو المتواصل لاقتصادات دول صاعدة بقوة كالصين وإندونيسيا والهند. وخلال السنوات العديدة التي أعقبت هذه الأزمة المريرة، أوحينا وبكل وضوح وعن غير قصد للدول غير الديمقراطية بأن الديمقراطية بحد ذاتها لم تعد شيئاً يمكن الركون إليه لحل المشاكل السياسية والاقتصادية، بل إنها نظام هشّ وغير متماسك إلى أبعد الحدود ولا يجوز الاعتماد عليه لعدة أسباب. فهو الذي كان سبباً في ظهور قادة غير أكفاء ودفع بهم إلى قمة السلطة والنفوذ، وهو الذي أدى إلى ارتكاب الأخطاء الجسيمة مثل «البريكسيت» في بريطانيا.

ومنذ القدم، كان هناك اعتقاد سائد لدى العديد من شعوب العالم بأن الديمقراطية هي نظام معقد وبطيء الأداء والإنجاز، إلا أن هذا الاعتقاد تغير عندما بات من الواضح أن الديمقراطية ترتكب الأخطاء القاتلة أيضاً. فهل ثمة من بلد في العالم ينظر الآن إلى الولايات المتحدة باعتبارها مثالاً يُحتذى؟

وعلى التوازي مع هذه الحقائق والاعتبارات، ماذا يمكننا أن نقول عن هذه الأزمة السياسية التي تشهدها ألمانيا؟ يجب القول أولاً إنها نشأت بسبب فشل المحادثات المتعلقة بتشكيل ائتلاف حكومي، وبما يعني أنها ليست أزمة دولة، أو يمكن القول على أقل تقدير بأنها لم تصل إلى هذا المستوى. وحتى الآن، لا زالت الحكومة الانتقالية أو حكومة تصريف الأعمال قائمة، ولا يزال الرئيس الفيدرالي يُظهر أعلى مستويات الحكمة، ولا يزال اقتصاد ألمانيا قوياً، ولا يزال نظامها السياسي العام يعمل كما يجب. وحتى المستشارة ميركل التي كانت تحرص على إظهار حماس محدود للتواصل السياسي مع الأحزاب الأخرى، والتي تمكنت من خلال عملها القيادي كمستشارة خلال 12 عاماً من النهوض بألمانيا إلى المستوى الذي نراها عليه الآن، أصبحت تتوخى في عملها الآن منتهى الحذر والبعد عن الارتجال.

ولقد رفض «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» البافاري (وهو أكبر حزب منافس لحزبها الديمقراطي المسيحي)، وبأسلوب طفولي لا يمكن فهم مراميه الحقيقية، الانضمام إليها لتشكيل حكومة ائتلافية، وبما أدى إلى خلق أزمة حكومية حقيقية. ولم يعد بالإمكان العودة بالأمور إلى الوراء، كما أن مشاركة ميركل في ائتلاف موسع سوف يؤدي إلى تهميش حزبها وبحيث يتوقع محللون أن تنخفض شعبيته في هذه الحالة إلى 15 بالمئة خلال السنوات الأربع المقبلة. ولهذه الأسباب كلها أصبحت الانتخابات الجديدة والسريعة هي الحل الوحيد الممكن على أمل أن تؤدي إلى ظهور أغلبية برلمانية قادرة على تحمل مسؤولياتها والإشراف على تنظيم محادثات فعالة لعقد الائتلاف الحزبي الكافي لتشكيل حكومة قوية.

وباتت هذه الأزمة وغيرها من التي تتخبط بها أوروبا والولايات المتحدة تمثل دافعاً لإعادة قراءة التاريخ. وفي حقيقة الأمر، فإن هيمنة أوروبا والولايات المتحدة لم تدُم إلا لنحو قرنين من الزمان (الحقبة الاستعمارية). وقبل ذلك كانت الصين هي الدولة الرائدة اقتصادياً في العالم، ثم إن تاريخ الصعود السريع للغرب لا يمكن أن يُعزى لسبب منفرد، بل كانت هناك العديد من العوامل غير الأخلاقية التي ساعدت عليه ومنها الإبادة الجماعية لبعض الأقوام والترويج للعبودية البشرية. وكلنا نعرف أن المنهج الاستعماري هو الذي سمح لأوروبا بسرقة الأفكار الابتكارية للشعوب الأخرى. ومن ذلك مثلاً أن الصين هي التي ابتدعت تكنولوجيا إنتاج الحديد والفولاذ لأول مرة في التاريخ، وهي أول من طبع الأوراق النقدية، وفيها تم اختراع بارود البنادق والمدافع والبوصلة التي تدل على الاتجاهات. وهي الابتكارات التي سرقها الغرب.والآن، ها هي الصين تستعيد مكانتها القديمة، ومنذ بداية التاريخ البشري وحتى الآن، لم يُسجّل مثل الارتفاع السريع الذي ميز الاقتصاد الصيني خلال الأعوام الثلاثين الماضية

*محلل سياسي ألماني

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا