• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

الاتفاق النووي.. «صفقة رديئة جداً»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 يوليو 2015

شيء خطير ذلك الذي أقدم عليه أوباما ومؤيدوه عندما حاولوا الرد على الجدل المتصاعد حول الاتفاقية النووية الإيرانية بأن الأمر كان يتعلق بأحد خيارين: إما التوصل إلى عقد صفقة أو إعلان الحرب. وكانوا يصرّون على الادعاء بعدم وجود بديل ثالث. وينطوي هذا الزعم على تقنية حواريّة ناجحة دفعت النقّاد للالتزام بموقف دفاعي. لكن هذا الطرح يمثل في حقيقة الأمر مفاضلة خاطئة بين خيارين. ولا يوجد ما يؤكد أن الأمر يتعلق بالاختيار بين عقد الصفقة أو الحرب. ودليل ذلك أن الحرب الباردة لم تنته لا بعقد صفقة ولا بنشوب حرب. والحقيقة هي أن الخيار كان من المفروض أن يكون بين القبول بهذه الصفقة الآن، أو مواصلة الضغط والتفاوض من أجل التوصل إلى صفقة أفضل بعد وقت أطول. ويرى العديد من النقّاد لهذه الاتفاقية، وأنا منهم، أنه كان من الأفضل التوصل إلى «صفقة جيدة» مع إيران بدلاً من خوض حرب معها. كما يعتقد هؤلاء بأن الاتفاقية التي تم التوصل إليها تمثل «صفقة رديئة جداً».

وهناك سابقة تاريخية تبرر معالجة الموضوع على هذا النحو. فقد وقعت إدارة نيكسون «معاهدة تحديد الأسلحة الاستراتيجية» أو «سالت-1» عام 1972 مع الاتحاد السوفييتي السابق، وحظيت بموافقة مجلس الشيوخ. وثبت فيما بعد أنها لم تحقق الأهداف المرجوّة منها. فقد قام السوفييت بتوسيع مدى انتشار ترسانتهم النووية في السنوات اللاحقة. وما لبثت فترة الانفراج أن أتت إلى نهايتها مع الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979، وذلك بعد خمسة أشهر فقط على عقد صفقة هزيلة ثانية حول الأسلحة النووية هي معاهدة «سالت-2».

ورغم ما حدث، فإن الحرب لم تندلع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وبدلاً من ذلك، آثر الرئيسان «كارتر» و«ريجان» زيادة الضغط على الاتحاد السوفييتي، وخاصة عبر تشديد العقوبات الاقتصادية والرفع من ميزانية الإنفاق العسكري، مما أجبر السوفييت على زيادة إنفاقهم العسكري. وخلال بضع سنوات توصلوا إلى الاستنتاج القائل بضرورة إجراء إصلاحات سياسية وتحسين العلاقات مع أميركا.

وبما أن نهاية «عملية سالت» لم تكن تعني نهاية المفاوضات، فقد جاء دور «الناتو» ليتبنّى «مقاربة المسار المزدوج» القائم على نشر بطاريات لصواريخ أميركية بالستية متوسطة المدى في أوروبا، ومحاولة التفاوض في الوقت ذاته مع السوفييت حول إزالة ترسانة الأسلحة، بما فيها الأسلحة السوفييتية، من القارة الأوروبية. وبدأت المفاوضات عام 1980 وكانت شاقة وطويلة، انسحب منها السوفييت مرتين عندما قامت الولايات المتحدة بنشر بطاريات صواريخ نووية في أوروبا، وبسبب اعتماد «مبادرة ريجان للدفاع الاستراتيجي» التي رفضها الكرملين.

وفي عام 1985، عاد الطرفان إلى طاولة المفاوضات. ولم يقتصر البحث هذه المرة على سحب الصواريخ البالستية متوسطة المدى من أوروبا، بل تجاوز ذلك للاتفاق على التفاوض الشامل على تخفيض انتشار الأسلحة الاستراتيجية. وشدّد «ريجان» على رغبته في عقد «معاهدة تخفيض الأسلحة الاسترايجية» أو «معاهدة ستارت» التي أعلن عنها منذ عام 1982، ولم يوافق عليها السوفييت إلا بعد ثلاث سنوات وبعد أن تسلّم غورباتشوف السلطة. وأعلن ريجان وغورباتشوف التوصل لاتفاقية تتعلق بالصواريخ المتوسطة المدى خلال قمة في العاصمة الآيسلاندية «ريكيافيك» عام 1986، وتم توقيع «معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى» عام 1986 لتمهد لمفاوضات إضافية تُوّجت بتوقيع «معاهدة ستارت» عام 1991. وهذه المعاهدات، ساهمت معاً في تحقيق أكبر تخفيض في حجم الترسانتين النوويتين بين الطرفين، وحققتا من النجاح ما هو أكثر بكثير من «معاهدتي سالت».

وبالمقارنة مع الصفقة الإيرانية، نحن لا نقول إننا نفضل الحرب، ولا نرفض عقد صفقة تؤدي إلى حل سلمي للنزاع، كما لا نرفض مبدأ التفاوض مع إيران.. لكن بوسع المرء أن يعارض الصفقة ذاتها لرداءتها.. وهذا هو موقفنا العقلاني منها.

فريدريك كاجان*

*مدير «مشروع التهديدات الحرجة» بمعهد «أميركان إنتربرايز»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا