• الأربعاء 09 شعبان 1439هـ - 25 أبريل 2018م

آيات ومواقف

الكفار يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 نوفمبر 2017

أحمد محمد (القاهرة)

كان النضر بن الحارث يخرج تاجراً إلى فارس، فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها، ويحدث بها قريشاً، ويقول لهم إن محمداً «صلى الله عليه وسلم» يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، وكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن محمداً قال كذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس، ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد، وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه، فنزل فيه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، «سورة لقمان: الآية 6»، وقال ابن عباس، نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنيه ليلاً ونهاراً، وقال مجاهد، نزلت في شراء القيان والمغنيات.

وقال قتادة: والله لعله لا ينفق فيه مالاً، ولكن شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.

قال القرطبي، لهو الحديث هو الغناء، وهو ممنوع بالكتاب والسنة، وهذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه، والآية نزلت في أحاديث قريش وتلهّيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل، والذي فعل ذلك إنما ليضل عن سبيل الله، أي ليضل غيره عن طريق الهدى، وإذا أضل غيره فقد ضل، وأولئك لهم عذاب مهين، أي شديد يهينهم.

وقال الإمام الشوكاني في «فتح القدير»، لهو الحديث كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة، وكل ما هو منكر، والمراد شراء القينات المغنيات والمغنين، وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته، إذ ليس شيء منها عليه حرام لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها.

قال الإمام الفخر الرازي في «التفسير الكبير»، لما بيّن الله تعالى أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بيّن حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، والحديث إذا كان لهوا لا فائدة فيه كان أقبح، ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «روحوا القلوب ساعة فساعة»، والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز من المطايبة، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق، فإن الترويح به لا غير، فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله: (... لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ...) كان فعله أدخل في القبح، ثم قال تعالى: (... بِغَيْرِ عِلْمٍ...)، عائد إلى الشراء، أي يشتري بغير علم، ويتخذها، أي يتخذ السبيل هزوا، أولئك لهم عذاب مهين، وهذه إشارة إلى أمر يفهم منه الدوام، وذلك لأن الملك إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده، فالجلاد إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك، ولا يتركه الملك في الحبس، يكرمه ويخفف من تعذيبه، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه، وأمره قد انقضى، فإنه لا يكرمه، فقوله: (... عَذَابٌ مُّهِينٌ)، إشارة إلى هذا، وبه يفرق بين عذاب المؤمن وعذاب الكافر، فإن عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مهين.

وقال ابن كثير، بعدما ذكر الله حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، ويتخذ سبيل الله هزوا، يستهزئ بها، وكما استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا