• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

المدينة التونسية عاصمة الثقافة العربية للعام 2016

صفاقس تستعيد تألقها الحضاري بالتسامح والتواصل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 يوليو 2015

ساسي جبيل (صفاقس)

تبصرها العين منبسطة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ذلك الأزرق السماوي الصافي حينا والمتكدر في أحايين كثيرة بمفعول النفايات، فبحرها لا يهب غير ثروة سمكية وشواطئ فوضوية تعمل جاهدة على إعادة تهيئتها.. صفاقس عاصمة الجنوب التونسي تنهمر في المعنى عروسا تختلط في رائحة حنائها عطور شتى، وتضوع من رحيقها كيماويات الفوسفات التي تنثر حممها جنوب المدينة فتتنافر مع الرائحة التي تنبعث من شجر اللوز والزيتون.. صفاقس مدينة تدل القادمين إليها على قدرة الانسان على الفعل بالعمل والمثابرة والإنتاج، كل ما في الأمر أنها تعدل ساعتها دوما على وقت مختلف عن كل ما حولها، إذ تستيقظ باكرا وتنام باكرا على غير عادة مدن عربية كثيرة، وهي خصيصة تميزها أيضا عن باقي المدن التونسية، إذ يعرف أهلها بالعمل أولا وأخيرا، وبحسن التدبير الذي يرى فيه البعض بخلا آدميا يضرب به المثل للتندر، في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماما، إذ يعيشون الحياة على وتيرة تنبض باستمرار لتأمين حياة مرفهة، وهو ما يظهر في البيوت والممتلكات. ورغم أن أسلوب الحياة هذا لا يروق للبعض، إلا أن الصفاقسي يجد فيه متعة خاصة، حيث يحسن تنظيم أوقاته وتعديل ساعته على نسق مختلف يميزه عمن سواه.

لأهل صفاقس روح أخرى لا تؤمن بالمستحيل، إذ تستغرق في البحث عن ذاتها بعيدا عن الكسل والخمول، الذي يسطر حياة الكثيرين في هذا الزمن العربي اللعين، فللمدينة رائحتها العتيقة، حيث يفتح باب المدينة العتيقة من الجنوب على باب الديوان المفتوح أصلا على ما تركت فرنسا من مبان وجدران إسمنتية عالية، كأنها أرادت أن تهدي لأهل المدينة عمرانها الباقي ليظل مرسوما في الذاكرة على طول الزمان، أو كأن المستعمر يريد أن يقول: لقد شبعنا من خيراتكم وواجبنا أن نعوضكم عن سنوات الجمر بهذه المدارس والمعابد والمباني التي لاتزال ترسم بألوان مختلفة وسط المدينة القديمة قبل أن تغزو المدينة عمارات البلور العالية، وقبل أن تمتد مدينة حديثة في الجهة الشمالية من باب الجبلي غرب المدينة العتيقة.

صفاقس، اسم بربري حامل لمعنى المكان المحصن والمحاط بما يحميه، والاسم لا علاقة له من قريب أو من بعيد بالملك يبفاكس كما يردد بعضهم، ولا بالأساطير التي تعددت وتنوعت في قراءة اسمها، فصفاقس مدينة قائمة بنفسها ولا تحتاج إلى الكثير من التفسير والتأويل من خلال هذا الاسم الغريب نوعا ما عن النطق مقارنة بغيره من مسميات المدن.

تداولت على أرض صفاقس حضارات عدة، فقبل تأسيس المدينة العتيقة في منتصف القرن التاسع للميلاد، عرفت وهجا تاريخيا مهما أهّلها لتكون مركزا تجاريا سواء في المدينة الجاثمة على أطراف البحر أو في أعماقها، التي تتغطى بأكبر عدد من أشجار الزيتون. وذكر المؤرخ هيرودوت جزيرة قرقنة التابعة لها منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ووهب أباطرة روما مدينة صفاقس لقب «مدينة حرة»، وأرسى القائد القرطاجني العظيم حنبعل بواخره بميناء سرسينا، وكانت «طينة» موقعا تجاريا مزدهرا آنذاك، ومركزا أسقفيا عرف ميناؤها أهمية في القرن الثاني للميلاد ما مكّنها من ازدهار اقتصادي وصعود سياسي، حيث كان الوزير الأول الروماني أصيل هذه المدينة التي تمسح 83 هكتارا، وهي بذلك أكبر مدينة أثرية تونسية قديمة، وأوسع من مدن مثل (دقة التاريخية) في الشمال الغربي التونسي، كما أن المنطقة المحيطة بصفاقس جادت بمخبّئات أثرية متنوعة تؤكد أن المنطقة معروفة منذ أقدم العصور، وعرفت مدنا ذات أهمية منها بطرية «أكولا» قرب مدينة جبنيانة التابعة لها إداريا اليوم، وهي موجودة منذ عصر قرطاج، وبرج يونغة الذي كان هو الآخر مقر أسقفية، ومركز نشاط ديني مكثف تواصل حتى الفتح الإسلامي، ومحمية الكنائس المشهورة.

وطالما انتشرت في الأدبيات التاريخية أن صفاقس «مدينة التجارة والعلم»، لكنها عرفت ازدهارا لافتا للحركة الصحفية بين الحربين العالميتين، وطفرة ثقافية مدهشة بعد الحرب العالمية الثانية استمرت إلى سبعينيات القرن العشرين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا