• الأحد 10 شوال 1439هـ - 24 يونيو 2018م

كلمات وأشياء

دموع في عيون الجبل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 نوفمبر 2017

بدر الدين الأدريسي

كيف لا أذكر ولا تذكرون معي الفاصل الدراماتيكي الذي انتهت به المسيرة الإقصائية الشاقة والماراثونية، التي أفرزت 32 فارساً سيتبارون في نهائيات كأس العالم بروسيا الصيف القادم، كيف لا نذكر أن هذا الفاصل سحبنا لبحور الشدوة والفرح والمربع العربي بالمونديال يكتمل في حدث استثنائي، بانضمام كل من المغرب وتونس لشقيقتيهما السعودية ومصر.

إلا أنني مع الشعور بالفخر أن كرة القدم العربية قاومت أخيراً سيول التعرية واستعادت ذاكرتها المفقودة، بأن فرضت نفسها رقماً صعباً في معادلة القارتين، يخترقني حزن شديد على ما شاهدته في الملحق الأوروبي الذي وضع في المواجهة إيطاليا والسويد، فأبداً لن تبرح الذاكرة تلك الصور الدرامية التي حفلت بها مباراة العودة بإيطاليا، كان أولها انهيار الصرح الإيطالي بإقصاء «الناسيونالي» وغيابه عن نهائيات كأس العالم لأول منذ قرابة 60 عاماً، وكان ثانيها الحزن الذي أطبق على إيطاليا وكل العالم، وهي تصحو في اليوم الموالي للنكسة على كابوس لا يصدق، أما ثالث تلك الصور وأقواها، فهو ما شاهدته من العملاق جيجي بوفون وصافرة الحكم الإسباني تنهي النزال بالخروج الكارثي لسادة الكاتناشيو، للمنتخب المتوج 4 مرات بطلاً للعالم.

ذهب بوفون مثل فارس أصيل مفعم بالروح الرياضية النبيلة إلى لاعبي السويد، يهنئهم على مباراتهم البطولية، ويبارك لهم تأهلهم التاريخي وهم يقصون الأزرق، ثم عرج على زملائه مثل موج عصي على الانكسار يقومهم ويربت على أكتفاهم، ويدعوهم لإظهار ما بقي في الوعاء من شجاعة لمقاومة الهزيمة ومغالبة الإحباط، وطاف مثل ملاك على الجماهير يسألها العفو على أنه وكل زملائه أخلفوا الموعد مع المونديال، وبعد هذا كله دار كالجبل دورة كاملة، وعندما امتد ميكروفون الصحفي الإيطالي إليه، يريد منه تبريراً لما حدث في الليلة المأساوية، عندما شعر أن كل الإيطاليين ينصتون لعميدهم لتفسير السقطة المهولة، ارتجف بوفون، تلعثم قليلاً، وعندما هم بالكلام سبقته دموعه وحالت بينه وبين الحديث للحظات، قبل أن يعبر عن أسفه لكون مونديال روسيا سيلعب من دون إيطاليا، وعن حزنه لأن مشواره الدولي توقف عند هذا الحد وهو الذي كان يتطلع لأن يقتفي أثر الأسطورة السابقة الحارس دينو زوف الذي قاد المنتخب الإيطالي للفوز بكأس العالم سنة 1982 في مونديال ينعت بأنه الأكثر رومانسية وجمالاً في تاريخ كأس العالم الذي يقترب من مئويته الأولى.

لن يكتب لنا إذاً مشاهدة بوفون لآخر مرة بالمونديال، وأياً كانت اللحظة التي سيعلن فيها جيجي اعتزاله، فإنه أبداً لن يسقط من الذاكرة، فمن يستطيع محو الجبال؟

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا