• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

العرب وموت الأدب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 نوفمبر 2017

حنا عبود

كثيرة هي الأصوات التي نعت الأدب في العصر الحديث، حتى أن المرء لا يستطيع حصر الأسماء التي أعلنت ورقة النعي. وربما كان «هيغل» من أوائل المفكرين الذين أعلنوا رؤيتهم المستقبلية في هذا الشأن، فهو يرى أن تقدم العصر الحديث، بهذه الآلية الضخمة، وهذه المرهقات الاجتماعية التي تزداد تراكماً على الفرد، سيبدأ بالتهام الأدب «عضواً فعضواً»، وأول شهداء هذا العصر سيكون الشعر، لأن كل ما يحيط بنا يستدعي التعبير النثري لا الشعري، والفوري لا المرجأ، والصريح لا الموحي، والفطير لا المخمَّر... ولأن الإنتاج الشعري كان الأغزر والأقوى في العصور الماضية.

حين يفكر المرء في هذا العصر يضطر أن ينطلق مما بين يديه من أدوات مادية وأوضاع اجتماعية ضاغطة لا تمنحه فرصة كافية لتأمل شعري مكتمل الخمائر.

فالزمن الذي كانت فيه حادثة، مثل «طروادة»، أو «عمورية» تشغل الشعراء زمناً طويلاً، ولَّى ولن يعود، ففي كل يوم تقع أحداث تجعل شعورنا بالزمن شعوراً سريعاً وأيضاً تجعله شعوراً طافياً... حتى ليبدو أن مسننات العصر الحديث مزقت زمن الشعر وجعلته مبعثراً، فزادت الأعباء على الشعراء، بل مزقت شعرهم ذاته، فالقصيدة الحديثة ليست قريبة من النثر وكفى، بل إنها قريبة من الخواطر التي لا تلبث عند نقطة معينة، أو هدف يسعى إليه الشاعر. إن عبء الشاعر الحديث اليوم أضعاف عبء الشاعر القديم.

على أن المعركة حول الشعر وجدواه قديمة جداً منذ أيام أفلاطون وأرسطو، ولم يكن الخلاف بينهما خلافاً بسيطاً، فالأول لا يرى جدوى للشعر إلا إذا خدم أغراض جمهوريته، كتأليف الأناشيد للعسكر والقصائد التعليمية للتلاميذ، بينما أحاط الثاني الشعر بهالة كبيرة جداً حتى جعله أهم من التاريخ. وفي العصور الوسطى اندفع رجال الدين إلى تسخير الأدب، باعتباره أداة رفيعة ونافعة: تخدم الدين، وتعدّ طقوس التنسيب، فيكون الشعر بوابة لطريق واحد معروف الحدود ومرسوم الأهداف.

أما عصر النهضة الأوروبية، فقد سار على الضفة الأخرى، فاسترجع الشعر والفنون، بعد رقاد عصور الظلام، وكانت اندفاعته عنيفة، افتتحه دانتي بمأثرته «الكوميديا الإلهية» التي دافع فيها عن الحق الإنساني، الذي هو محط اهتمام الإرادة المقدسة، وليس العكس. وكثر الذين ينافحون عن الشعر وضرورته منذ ذلك الوقت وحتى اليوم أمثال بوالو وإدغار ألن بو وفيليب سيدني وشللي ووردزورث... وغيرهم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا