• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

كان الدين يسكن وعي الناس من دون ضجيج أو تظاهر أو تناحر

«أحوال» الهوس الديني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 23 نوفمبر 2017

د. سعيد توفيق

حينما نتأمل حالة الوعي الديني في ثقافتنا الإسلامية الراهنة، فمن السهل أن نكتشف على الفور التحول الهائل والمخيف الذي طرأ على الوعي الديني؛ لأن الوعي بالدين أصبح وعياً مزيفاً يجرد الدين من جوهره ومن قيمه: فهو يجرده من جوهره باعتباره صلة روحية بين الإنسان الفرد وربه (فالأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)، وهو يجرده من قيمه الأساسية التي تقوم على مكارم الأخلاق في سائر المعاملات الإنسانية (فالدين المعاملة).

أرى أن جوهر الدين الإسلامي كله يتلخص في هذين المبدأين اللذين وردا في حديث رسول الإسلام الكريم. لن يجد المتأمل الواعي أي صعوبة في رصد تحول الوعي الديني إلى حالة من الزيف تنظر إلى الدين على أنه مجرد رموز وشعارات وأوهام لا صلة لها بروح الدين، وفي سبيل ذلك يتفرقون شيعاً، بل يتناحرون ويقتتلون من أجلها، لا فيما بينهم فحسب، بل مع الإنسانية ذاتها.. مع كل إنسان مختلف عن دينهم الذي صنعته أوهامهم الدينية. يكفي المتأمل الواعي أن يسترجع الحالة الدينية في عالمنا العربي وحده من خلال استدعاء ذكريات الطفولة والشباب، ومن خلال الوثائق التاريخية والأفلام السينمائية، وغير ذلك؛ ليرى كيف كان الدين يسكن وعي الناس من دون ضجيج أو تظاهر أو تناحر، وتتجلى قيمه الروحية والأخلاقية النبيلة في سلوكهم وأعمالهم.

وبوسعنا أن نصف بعض تجليات هذه الحالة من تزييف الوعي الديني التي تبلغ حد «الهوس» في الثقافة الإسلامية الراهنة، فيما يلي:

في وسائل التواصل

هي أبرز التجليات المباشرة اللحظية التي تجسد بوضوح حالة تدهور أو غياب الوعي الديني واستغراقه في وعي زائف. فلا يمكن أن تخلو صفحتك على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «الفيس بوك» و«الواتس آب» من تلقي سيل من الشعارات والرسائل الدينية. بعض هذه الرسائل عبارة عن دعاء يطالبك المُرسِل، ويستحلفك بالله، أن ترسله إلى عموم أصدقائك على الصفحة الإلكترونية، أو ترسله إلى عدد كبير من الناس، يحدده الشخص المُرسِل، وإلا سوف تصيبك اللعنات والعقاب الإلهي. كما أصبحنا نجد الآن صوراً مرسلة بأشكال متنوعة من الكتابة كل يوم جمعة، تقول لنا: «جمعة مباركة»، مصحوبة أحيانًا بأدعية أشبه بتعاويذ لدرء الذنب والعقاب واغتنام الدنيا والآخرة. أما أحدث أشكال الهوس الديني في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي ما يمكن تسميته «حالة سيلفي الكعبة»، وهي تلك الصور التي يبعث بها بعض زوار بيت الله الحرام، يصورون فيها أنفسهم ومن ورائهم الكعبة، أو أثناء أداء مشاعر الحج، على نحو يعكس الانفصال بين صاحب الصورة وقدسية المشهد الذي ينبغي أن يكون مستغرقًا فيه، وكأن هذه الحالة الدينية المقدسة قد تحولت عنده إلى مجرد صورة يتباهى بها أو يحتفظ بها ضمن غيرها من الصور الخاصة بشؤون الدنيا والحياة اليومية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا