• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

ساحر البحر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 20 يناير 2015

توفي قبل ست وعشرين عاماً وتحديداً في عام 1989م المعمر محمد عبدالله الشاعر «رحمه الله» الأكبر سناً في دولة الإمارات العربية المتحدة عن عمر يناهز الـ 137 عاماً بالتمام والكمال قضى معظمها في البحر. نوخذة ونهاماً ورسام خرائط بحرية، أما السنوات العشر الأخيرة من عمره فقد أمضاها في مستشفى عجمان بعد أن فقد جميع أبنائه وزوجاته، وبقي وحيداً في غرفته مع عصاه التي رافقته لأكثر من خمسين عاماً اتكأ عليها في ملماته وفي خطواته القصيرة من الغرفة إلى الممر. محمد عبدالله الشاعر الملقب بساحر البحر لباعه الطويل في معرفة مغصاته وأسراره وأنوائه كان أول من عرف استخدام آلة الحرب الكبيرة أوائل القرن الماضي المدفع وقد أبلى بلاءً حسناً في معركة وقعت هنا هاجمت فيها سفن الإنجليز إحدى مدن الدولة.

ولد هذا الرجل في أم القيوين «مدينة الأقوياء» كما يحلو له أن يسميها ولم يسع يوماً للحصول على جواز سفر أو بطاقة هوية، فالكل يعرفه. رسم الخرائط لخطوط الملاحة العربية مع الشرق والغرب مبيناً جميع الموانئ والمحطات التي رست فيها تجارة العرب من ميناء بونا الهندي إلى دار السلام إلى سوقطرة ومستورة على الشاطئ السعودي شمالاً وعبدان في شمال الخليج العربي. قال في لقاء صحفي عام 1985م أن بدو الجزيرة العربية غاصوا للأعماق رغم عدم درايتهم بالسباحة في سبيل لقمة العيش وكانوا يربطون أذرعهم بمجاديف السفينة ليتم إنقاذهم في حال وقوع مكروه لهم تحت الماء.

صادق العديد من الرحالة الكبار في رحلاته وأبرزهم سلطان برغش. سلطان زنجبار، رفض ذات مرة تلبية طلب ضباط جاءوه في ميناء جدة السعودي ليغني لهم. بعدما سمعوه في مرة سابقة. وكان أن طردهم وأبلغهم بأنهم ما من أحد يطلب من عربي أن يغني له. ونحن نعقد جلسات السمر لأنها جزء من تراثنا ونسلي بها أنفسنا بعد عناء يوم طويل. وفي ممباسا كان محمد الشاعر شاهداً على قسوة وتعنت الإنجليز الذين اتخذوا من إحدى قلاعها سجناً خصصوه للعرب، ويصف لنا هذه المدينة فيقول إن لها أربعة «دراويز» أبواب ضخمة مطعمة بالذهب والفضة ويجب العبور منها للدخول إلى المدينة. ولم يتوان الشاعر عن الغوص حتى 14 باعاً في الهيرات المحيطة بسوقطرة وكانت مخيفة وأعجبته أبقار الجزيرة في منطقة بوتشيل حيث البقرة تعلو المطية.

تزوج خمس مرات ودفع مهرهن من «بيزة برغش» العملة المتداولة في ذلك الوقت إحداهن من مكة المكرمة، وقد أنشد فيها أجمل قصائده. وكان معجباً بنساء بنغلور في الهند كأجمل نساء في الأرض، وعن نساء كراتشي قال: لا أدري من أين يأتين بهذه القامات الطويلة. ويملك الراحل بيتاً تركه بملء إرادته بسبب حالته الصحية، وبقي يتناول أربعة أنواع من الأدوية يومياً حتى وفاته، أحدها لضيق النفس لأنه فقد نصف رئته في معركة مع اللصوص في أحد الموانئ التي زارها، وعاش سنواته الأخيرة لا يأكل غير التمر.

آخر ما قاله تضايقني الوحدة فلا أحد يزورني أديت واجبي أمام الله والناس وأنتظر قرار الله بصبر فطول العمر نقمة إذا عاش الواحد منا بعد موت من أحبوه واحترموه.

رحم الله محمد عبدالله الشاعر.

سعود عبدالعزيز العتيق - أم القيوين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا