• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

لتشريعاته أبعاد تربوية تؤسس لثقافة الانضباط

احترام القانون يعلي القيم الاجتماعية والأخلاقية المتحضرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 24 يناير 2014

علاقة جدلية متشابكة بين مفاهيم السلوك العام، والانضباط السلوكي، والأخلاق العامة، والالتزام الذاتي، والخوف من القانون أو العقوبة، والبعد التربوي للقانون. والسؤال هنا هل نحن نلتزم بتنفيذ القانون لأننا نخشى العقوبة فحسب؟ أم لأن الانضباط في كافة مفردات سلوكياتنا اليومية جزء من ثقافتنا العامة، ولأن الالتزام الذاتي بالقوانين المنظمة لحركة المجتمع قيمة أخلاقية في المجتمعات المتحضرة؟ وأياً كانت النتائج، فالقوانين الوضعية في أي مكان، لم تشرع لمجرد توقيع العقوبات على الناس، وإنما فلسفة العقوبة تكمن في كونها عامل «ردع» لمنع المخالفة قبل وقوعها، ومحاسبة المخالف إن ارتكبها حتى لا يكررها هو أو غيره من أفراد المجتمع. ومن ثم تتحول عملية اعتياد الانصياع للقانون، إلى «عادة وحالة من التقبل والتحقق» للهدف الذي شُرع من أجله هذا القانون وذاك.

خورشيد حرفوش (أبوظبي)- السلوك المتحضر قيمة أخلاقية واجتماعية كبيرة ومهمة من قيم المجتمع. وغالباً ما يأتي السلوك كنتيجة طبيعية للفكر الناضج السليم وليس العكس، ومن ثم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور الوعي والمعرفة. ولعل قمة حالات السلوك المتحضر، أن يكون هو نفسه هادفاً وغاية نسعى إلى تحقيقها. فعادة ما نرى شخصاً يرتكب مخالفات المرور البسيطة والجسيمة، أو يتخلص من مخلفاته من نافذة السيارة في عرض الطريق، أو لا يلتزم بعدم التدخين في أماكن ممنوع فيها، أو لا يلتزم بدوره في «الطابور» في أي مكان يقصده، أو غير ذلك من نماذج عدم الالتزام والانضباط في الأماكن العامة، وهي كثيرة.

احترام القانون

قد نحكم على أصحاب هذه السلوكات «المتعمدة»، بعدم الوعي أوعدم الالتزام، وقد يكون عدم النضج الأخلاقي وانعدام الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية أو الاجتماعية. وإن رأينا امتثالاً وانضباطاً في سلوكات الناس، فقد يكون ذلك انعكاس لحالة متقدمة من الوعي والانضباط والالتزام والتحضر، مهما كان ذلك عن قناعة ذاتية ووعي كبيرين، وإما لأن صاحبها يتجنب الوقوع تحت طائلة القانون، ومن ثم الغرامة أو العقوبة والمساءلة الاجتماعية والقانونية. في الحالتين، تتجسد القيمة الأخلاقية والتربوية في تنفيذ القانون، وتتجلى آداب وأخلاق القانون في الالتزام بأوامره ونواهيه؛ فإلى أي مدى يسهم القانون في تحقق البعد الأخلاقي والتربوي عند الناس؟ أو بمعنى آخر هل الخوف من القانون كفيل بأن يكسب الناس «عادة» السلوك المتحضر.

في هذا الإطار، يقول جميل مراد (موظف): «ليس هناك من يسلم من ارتكاب أخطاء أو تصرفات سلوكية سلبية تتفاوت حدة رفضها هنا أو هناك، وهي في معظمها تدل وتعكس وعي الشخص ونضجه والتزامه، وهناك كثير من القوانين التي تعلم الناس السلوك المنضبط، أو الذي يتمشى مع نظام المجتمع، أو مؤسساته الاجتماعية، ولكل مجتمع ثقافته وعاداته وتقاليده وأعرافه، فقد ينتقل الشخص من مكان لآخر، أو من مجتمع أو دولة لأخرى، ويكتشف أن المجتمع الجديد له ثقافته وعاداته، وقوانينه، وانصياعه لهذه العادات والقوانين تصبح عادة سلوكية اعتيادية في حياته. فقد يتعلم أشياءً جديدة. وللقانون هنا دور تعليمي. فكثيراً ما نجد أن السبب الأول وراء كثير من السلوكات السلبية هو عدم وجود أو وضوح الضابط الأخلاقي والدافع الأساس للالتزام، فالإنسان يحسب ألف حساب، ويراجع نفسه طوال الوقت فيما كان سلوكه منضبطاً أم لا، وقد يكون السبب هو الخوف من التعرض لسلطة القانون، ونجد الطالب يحرص على الحضور مبكرا إلى المدرسة خوفا من المعلم أو العقوبة وأقلّها استدعاء ولي الأمر، ونجد الشخص خلال مراجعاته أية مؤسسة لا يستطيع أن يتجاوز بحق الموظف مهما كانت أهمية معاملته، والضابط هنا أيضا، الخوف من الوقوع تحت طائلة القانون، وهذا الخوف خوف إيجابي يعني الانضباط الأخلاقي». ترى الأخصائية النفسية موزة المنصوري أن عدم التزام البعض بالقوانين التي تنظم الحياة العامة، ربما يرجع إلى عدم وجود، أو عدم وضوح الضابط الأخلاقي، أو عدم النضج الاجتماعي، ومن ثم يظهر الخوف ليصبح الدافع وراء الالتزام، فالتربية والتنشئة الاجتماعية السليمة التي تتمثل في الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، من شأنها أن تغرس القيم الصحيحة في المجتمع، حتى يصبح الالتزام والانضباط ثقافة عامة بين جميع أفراد المجتمع، فالخوف من العقوبة يمكن أن يكون ضابطاً في مرحلة معينة، أما المعيار الأخلاقي فهو أمر نسبي، وكل شخص يضع معاييره الخاصة بنظامه الأخلاقي بما يتفق ونظام المجتمع وثقافته، فما تراه أنت عيباً قد يراه آخر أنه هو الصحيح، فالتربية لم تعد معزولة عن أدوات تنفيذها، وكلما ابتعدت مدخلات التربية عن مَن ينفذها، كلما رأيت نظاماً اجتماعياً هزيلاً، ابتداءً من الأسرة ومروراً بكافة مؤسسات المجتمع، ومن ثم ينبغي أن يكون السلوك السليم وعدم المخالفة أو الإضرار بالمال العام، أو الإساءة إلى جماليات الأماكن العامة مثلاً، والحفاظ على رونق المكان، وحركة السير والمرور، واستعمال المرافق العامة، يخضع لمعايير عامة وقوانين من شأنها أن تحافظ علي الصورة العامة بما يتسق وثقافة المجتمع المتحضر». وتضيف: «الشخص كلما ازداد وعيه لا يمكن أن يتعدى - بشكل عام- على الممتلكات العامة، أو يتعمد مخالفة القوانين، حتى لو في قطف غصن أو زهرة في حديقة عامة، لأنه يعلم أنه يدفع ضريبة الاستمتاع بما هو عام، وأنها جزء من ممتلكات المجتمع، وإذا حافظ عليها، إنما هو يحافظ على ممتلكات الشخصية، ويصبح مثل هذا السلوك دافعاً أخلاقياً يستمتع هو به دائماً».

علاقات بنائية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا