أفلام بميزانيات ضئيلة لفتت الانتباه في مهرجان أبوظبي السينمائي

«حرائق» فيلم كندي مشحون حول ظاهرة العنف في العالم عندما تنزف ذاكرة الحرب الأهلية اللبنانية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 أكتوبر 2010

ماجد نورالدين

فيلم “حرائق” المستوحى والمقتبس عن مسرحية بالعنوان نفسه للكاتب والمخرج المسرحي الكندي من أصل لبناني وجدي معوض بتوقيع المخرج الكندي دني فيلنوف من انتاج كندي فرنسي 130 دقيقة، هو بكل المقاييس فيلم إنساني يتناول ثيمة “العنف في العالم “ كظاهرة تخل بالعلاقات بين البشر، مسقطا ذلك ضمنا على ظواهر سلبية تجتاح العديد من الدول وبخاصة على المستوى العربي مثل الطائفية، والعصبية والتشدد في التعامل مع الآخر، مما ينتج عنه اشتعال “حرائق” تختلط فيها دماء أبناء الطوائف، وتصبح الحرب الأهلية عنوانا رئيسيا للحياة وشعارا لكل من يفضل الموت على الحياة. باختصار شديد يوجه سيناريو الفيلم ورقة إدانة واتهام لميراث العنف بكل أشكاله والذي لم يؤد يوما ولن يؤدي إلا الى المزيد من الحقد والكراهية. نشير هنا الى أن أغلب النصوص التي كتبها وجدي معوض وبخاصة سيناريو هذا الفيلم هي نصوص تتحدث عن الماضي، كما يركز دائما على فكرة أنه بعد العاصفة والعنف يولد شيء جديد، وانه ليس بامكاننا تحطيم الأمل الذي يولد دائما مع الحياة، ولعله هنا يود الإشارة الى أن الحرب الأهلية اللبنانية رغم الكثير من الظروف والتحديات الداخلية والخارجية، حققت ظاهرة “الوطنية” على كافة المستويات والطوائف، بحيث أصبح الحلم الذي يجمع الكل هو “الوطن” وحمايته.

يذكر أن المسرحية التي اقتبس عنها الفيلم هي ثلاثية تحمل عنوان “الشاطئ”، وقد قام وجدي معوض بتحويلها الى فيلم أخرجه عام 2004. أما المخرج دني فيلنوف فقد ولد في كندا، ودرس السينما في جامعة كيبيك في مونتريال، اخرج عددا من الأفلام القصيرة المعروفة قبل فيلمه الطويل الأول “32 أغسطس على الأرض” عام 1998، وفاز كل من فيلميه التاليين “مايلستروم” 2001، و”بوليتكنيك” 2009 بجوائز جيني المخصصة للأفلام الكندية عن فئة أفضل مخرج. ويعتبر فيلمه “حرائق” من أهم أفلامه التي يعتمد فيها على جماليات الصورة والجدل والحوار وفن المناقشة والتوثيق وعلى تباين الرؤى والأصوات لملامسة الهوية الإنسانية في اطار مفعم بالحركة والإيقاع السينمائي الذي يأخذ المتفرج في رحلة التفاصيل التي تشكل صرخة قوية في وجه تجار الحروب، كما يشجب الفيلم سياسة الاتجار بالبشر من خلال التطرف الذي لا يتوافق مع حرية الانسان في اختياراته سواء الفكرية أو العقائدية أو الدينية.

يبدأ الفيلم الذي تم تصوير بعض مشاهده في العاصمة الأردنية عمان بالشاب “سيمون” وشقيقته “جاين” في مكتب محام في كندا، حيث ينتظران معرفة تفاصيل وصية أمهما اللبنانية “نوال” التي عملت ثمانية عشر عاما للمحامي الكندي، الذي يقرأ عليهما تفاصيل الوصية المشفرة، وتنص على إعطائهما رسالتين، إحداهما تسلم لشقيق لهما لا يعرفان عنه شيئا، والثانية لأبيهما الذي يظنان أنه قد توفي. ويأخذ الفيلم منعطفا جديدا حينما تقوم “جاين” برحلة الى لبنان للبحث عن الحاضر الذي لا تتوصل اليه إلا من خلال ماضي أمها نوال مروان (1949 ـ 2009)، وفي البحث في ملف حياتها الشائك تتعرف على تاريخ ممتلئ بالصراع والدماء وانتهاك الحرية. أما أهم مفاجئة تتلقفها الفتاة، فتتمثل في اكتشافها أن أمها التي تنتمي لجنوب لبنان، أنجبت ابنا من شاب فلسطيني، قتله أهلها أمام عينيها. الفيلم يتضمن تفاصيل كثيرة حول ماضي الأم في لبنان، وحول الحرب الأهلية، وسيطرة الميليشيات، كما تستعرض الأحداث كيف أن “نوال” تدرس اللغة الفرنسية لأبناء قائد ميليشيا مسيحية يمينية، وكيف تدبر حيلة لقتله، مما يدفعها الى السجن لمدة 15 عاما، ويقول سجان أشرف على حراستها في سجن “بلدة كفر ريات” إنها كانت طوال الوقت تغني وأنهم فعلوا كل شيء لكسر إرادتها، ولكنها كانت شامخة مثل نخلة لم تنحن للرياح، ورغم تعرضها لعملية اغتصاب بشعة في السجن وأدى ذلك الى حملها ووضعها “طفلا” في السجن.

كل هذه الأحداث التي تعرضت لها نوال تصيب ابنتها “جاين” بالانهيار، فتستدعي أخيها على عجل ليبدآ معا رحلة بحث ثانية عن شخص اسمه “والات شمس الدين” قيل لهما إنه يملك معلومات عن أخيهما المجهول الهوية، ليتمكنا في النهاية من الوصول الى قابلة السجن التي تخبرهما أن المرأة التي كانت تغني قد أنجبت توأما، ولدا وبنتا، لتتوالى التفاصيل التي تتخذ شكلا ميلودراميا، مغرقا في التفاصيل والأحداث والمشاهد التي توزعت ما بين الوهم والحقيقة، حتى يلتقي الأشقاء في النهاية عند نقطة الحوار الإنساني، في تراجيديا معاصرة تملك الكثير من الإيجابيات رغم قسوة المشاهد المشبعة بآلام الماضي المرير الذي عاشه المجتمع اللبناني في فترة سوداء مسحها الجميع من ذاكرته لتحل محلها آفاق وفضاءات جديدة نحو البناء والعمل وتحقيق السلام الاجتماعي وتطهير المناخ من دخان الطائفية.

سيناريو الفيلم كما بدا لنا يحمل تفاصيل قليلة مستوحاة من حياة كاتبه الشخصية، وكان قد خرج من لبنان عام 1978 هربا من الحرب الأهلية عندما كان في الثامنة من عمره، ثم انتقل الى فرنسا وهو في الخامسة عشرة من عمره الى مدينة كيبيك الكندية حيث توفيت والدته وأسس شركة الانتاجABE CAREE CE CAREE، وما يدل على وجود لمسات من ذاكرته الشخصية في أحداث الفيلم تلك التفاصيل الدقيقة التي تم التعرض لها سواء على مستوى الأمكنة، أو على مستوى تفاصيل الصراع على السلطة، والتأثيرات السلبية على الشخصيات من خلال واقعة اجتماعية إنسانية خطيرة، تجلت جميعها في إطار سحر الصورة وتنويعات التمثيل الذي شارك به نخبة من الممثلين الأردنيين والكنديين والفرنسيين، تمثيل مشحون بالانفعال، وتكمن المفارقة في الفيلم من خلال الحبكات الصغيرة التي تم صنعها بعناية في إطار صراع نفسي متوالد يقوم على ثنائية العنف والمنفى. وهي ثنائية كافية لإنجاح أي فكرة سينمائية.

يوصف “حرائق” بأنه فيلم جريء في مناقشته لواحدة من أخطر قضايا الحرب الأهلية، فقدم لنا حوارا واقعيا صافيا، كما قدم بدون استحياء شخصيات ونماذج كانت نتاج الكراهية، حيث تابعنا شخصيات لا تجد أي غضاضة في القيام بأعمال القتل والاغتصاب والنهب والتدمير تحت ستار الطائفية المزعومة، في حين أن البعض قرر الهرب من (الجحيم) كخطوة لا مفر منها للجوء الى المنفى الذي لم يستطع رغم استتباب الأمان فيه من أن يحمي الشخصيات الرئيسية من الماضي، من الوطن بكل تفاصيله، من صمود الانسان في وجه الظلم بأشكاله.

نجح المخرج في السيطرة على المشاهد الكثيرة بتفصيلاتها من خلال اللقطات البانورامية، وأيضا من خلال المشاهد الخارجية التي شكلت بعناية فائقة، مع السيطرة على المجموع الكبير من الممثلين، حيث أصبحت مفردات الحرب تتغير رويدا رويدا، مع تطور الأحداث المشبعة بتركيز شديد على جماليات الصورة السينمائية التي كانت بقصد تدين الحروب الأهلية العبثية المتكررة في كل مكان من العالم وبخاصة في مناطق عديدة من افريقيا.

فيلم “حرائق”، عمل سينمائي قوي ونظيف، رغم ما يعتريه من هبوط في الإيقاع في الجزء الأول من الفيلم، الذي نجح من خلال مونتاج مميز وموسيقى مؤثرة في الخروج من ظاهرة الشكل الإسمنتي التي تغلف الأفلام التي تقوم ثيماتها على السياسة أو الحرب من خلال الوثائقية، فالعمل بمجمله خارج عن السائد والمألوف، فهو عمل سينمائي مفتوح ومنفتح في آن واحد. انه تمرد حقيقي على نوعية الأفلام التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، فالفيلم مكتوب بلغة أصيلة، انه فيلم مأخوذ من الذاكرة اللبنانية، من حياة ومعاناة الناس وما تختزنه من تجارب عاشها اللبنانيون والعرب معهم، وحتى العالم المتحضر الذي رفض تشويه صورة الإنسان في صورة بانورامية جميلة تؤكد أن مشعلي الحرائق من الساسة هم المستفيدون الوحيدون من دخان البنادق والثكنات العسكرية وحواجز الطرق وفرز المواطنين على هوياتهم وأديانهم.

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف