• الثلاثاء 04 ذي القعدة 1439هـ - 17 يوليو 2018م

يحرر الكرسي الخشبي نحو كيانات متباينة تُبحر نحو طبيعتها الوجودية

بابلو رينوسو يصف حرية الجلوس على «مقعد السباغيتي»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 18 نوفمبر 2017

نوف الموسى (دبي)

الشعور بالحرية، لم يعد إحساساً خارجياً يكمن في كيفية رؤيتك لحركة الأشياء وتفاصيل المرئيات الاعتيادية، فقد تجاوز الوعي الإنساني الإبداعي ذلك الإطار الخارجي منذ أزمنة طويلة، حين أدرك أن الحرية مناجاة داخلية وتحرر كليّ للمادة، وصولاً إلى دراسات فيزيائية علمية أثبتت وهمية الملموس/‏‏ المرئي، الذي تجلى بقدرة وجودية عبر الإنسان، لرؤيته والاستمتاع بالروح والفكر من خلاله، وإلا لماذا تعتبر الحياة فرصة جبارة لكل فرد يعيش الآن على هذه الأرض، لأنها لحظة الولوج إلى عالم خلق الحياة في الحياة، التي لن تتكرر أبداً.

والأجمل من ذلك عندما يتحول التصور الوهمي للمادة، إلى تجلٍ من خلال ما عمله الفنان والنحات الفرنسي الأرجنتيني بابلو رينوسو، عبر عمل بعنوان «مقعد السباغيتي»، وفيه يتناغم المقعد وينسجم بين فكرة تكوينه المادي وتلاشيه الطاقي، وهنا يكمن أقصى السحر المشهدي وهو في مسألة تكوين مسارات وأشكال الحياة المتعددة. فالتشكل للمجال الطاقي لدى الناس، يرتبط بمحور التخيل البشري، ومنه جاء التأكيد المستمر من الباحثين في علم النفس البشري، بتحميل الإنسان المسؤولية الكاملة عن حياته، وذلك لقدرته على صناعتها وتخيلها في مناطق الوعي العليا، ويمكن إحداث ذلك من خلال التدريب المستمر، بالمقابل فإن الفنانين يعلمون على إتمامه من خلال إنجاز تحفه فنية، تكتنز مشاعر الفكر والانسجام والتكامل مع الكون. الفنان بابلو رينوسو، يتحدث إلى الشجرة في تقسيمات تحررها من الشكل. ويلاحظ المتابع لـ«مقعد السباغيتي»، كيف يمتد الخشب نحو مرحلة الهارموني والخروج من جمود الإطار، إلى منهج النمو والتطور الطبيعي. فالشجرة بطبيعتها تصعد إلى السماء وتتجذر في الأرض. وفي العمل الفني للفنان بابلو رينوسو، تتماهى في الهواء بصورة لولبية، تكشف فيها عن نفسها وأصل هويتها المبني على الطاقة في طبيعة التكوين الأصلي. وما يقدمه العمل في هذا الطرح، ليس إبرازاً للجمال فقط، إنما التعاطي معه باعتباره قائماً على ذات الكون الفسيح، له شخصيته المتفردة، وباللحظة نفسها يتحرر منها، من خلال تجاوز التجسيد المادي.

واللافت في أعمال الفنان، هو مدى التأثير البصري للكثافة الحسية المرتبطة بالعمل، فرؤية المشاهد لمقعد السباغيتي، يجعل منه يدخل في نظام الموجي والذبذبي لتحولات المقعد، ما يجعل الشخص الملاحظ للعمل، يتحرر من تكوينه المادي (الجسد)، ويبدأ برؤية نفسه متلاشياً في الهواء، منصهراً بطريقة مدهشة مع المقعد، إلى جانب أن العمل يقدم للمتطلع وجهة نظر جديدة حول حضور الكائن الحيّ في حياته.

قد يصنف البعض أن عمل بابلو رينوسو، يحمل نكهة سريالية، وعملياً فإن موجة السريالي تتبنى منهج البحث في المجهول لتعريف الموجودات، خاصة أن الفنان يدخل إلى مناطق إحداث الشك في كيفية رؤيتنا للكائن الحيّ المتشكل في كرسي أو إطار لوحة أو غيرها، ويعود بنا إلى التفاعل مع الجانب الوظيفي لها، باختبارات من الانسجام الذاتي، والرغبة في المشاركة الكونية لتحول الكائن، متمثلة بفعل الجلوس على مقعد السباغيتي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا