• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م

يجسد معاني الترابط والتلاحم الشعبي بين الأهالي قديماً

«الهريس» طبق رئيسي على المائدة الإماراتية في شهر رمضان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 21 يوليو 2013

خولة علي

لا تخلو المائدة الشعبية المحلية من «طبق الهريس»، الذي لا يزال متربعاً على عرشها في ظل تنوع الأطباق، وتزاحم المائدة الرمضانية، فهذا الطبق الشعبي الذي ارتبط بالكثير من المناسبات الاجتماعية قديماً في المجتمع المحلي، يحافظ على صدارته خصوصا في الشهر الفضيل، بالرغم من الجهد والوقت الذي يتطلب لتحضيره، إلا أن متعة مراقبة ومتابعة الهريس من قبل الصغار وهو يسحق ويضرب بأداة خشبية طويلة تسمى المضرب، والتناوب في ضربه، كان يبدد كل معاني التعب، ولو بحثنا قليلا عن معنى الهريس، فهي كلمة مشتقة من فعل «هرس»، وهو من حب القمح، الذي يعد مصدراً غذائياً هاماً لأهالي المنطقة قديما حيث يصنع منه أنواع مختلفة من الأطباق منها الجريش المستخدم فيه القمح المجروش، والأجمل من ذلك ما يصحب عملية تجهيز الهريس من مفهوم لمعاني الترابط والتلاحم الشعبي بين الأهالي قديماً. وتروي الباحثة التراثية موزة سيفان قائلة: هناك علاقة وثيقة بين الهريس والمظاهر الاحتفالية والمناسبات التي تمر علينا، وفي رمضان تتهيأ المنازل بتجهيز حب الهريس وشراء الذبائح، وقديما لم تكن كل الأسر قادرة على إعداد الهريس، إلا الأسر المقتدرة والميسورة الحال منها. وربما أجمل الذكريات والمشاهد التي كنت قد شاهدتها وأنا صغيرة، هو تجمع الكبار والصغار من أهالي الفريج، وكل شخص كان يحمل بين يديه صحناً، وقد تحلقوا حول قدر الهريس ونحن نراقب بشغف عملية ضربه بمضرب خشبي طويل، الذي سرعان ما نلتقطه من يد الشخص المعني بضرب الهريس بعد أن ينتهي من ضربة، لنلعق الهريس العالق على المضرب الخشبي، كان الأمر ممتعاً لنا ونحن صغار. والأجمل من ذلك ما كنا نلمسه من ملامح التكاتف والترابط الاجتماعي بين أهالي الفريج، فلم يكن هناك بيت من بيوت الحي لا ينال نصيبه من الهريس. تلك الأرواح أصبحنا نفتقدها كثيراً في وقتنا الحالي.

وحول فنون طهي الهريس توضح سيفان قائلة: يتكون الهريس من حب، ولحم وماء وملح. ويتم تجهيز حب الهريس وغسله مراراً وتكراراً وتركه أربع ساعات قبل الشروع في طهيه.

ثم يتم طهي اللحم في قدر واسع في التنور إلى أن ينضج ثم يضاف حب الهريس إلى اللحم ويحرك بملعقة خشبية ونضيف إليه الماء إذا احتاج، ويغطى غطاء القدر بقطعة من الخيش ويطمر التنور بالرمل، ثم يترك لمدة أربع ساعات إلى أن ينضج ويكون جاهزاً لضربه. وبعد أن يضرب جيداً حتى يذوب الحب ويمتزج تماما مع اللحم، نسكب الهريس في طبق التقديم ونمسح الوجه بالسمن البلدي. وفي الوقت الحالي أصبح عمل الهريس أسهل في إعداده وطهيه بتوفر الوسائل والأدوات الحديثة، إلا أن فنون طهي الهريس وعملية ضربه في الماضي فريدة، قلما نجد مثيلها في المطاعم والمطابخ الشعبية التي تقوم بتجهيز أطباق الهريس في رمضان والتي نجدها أقرب إلى العجين نتيجة ضربها بأدوات كهربائية، فالطريقة التقليدية بأدواتها البسيطة في عمل الهريس، تمنحنا نتيجة جيدة، حيث تتم العملية بروية وصبر. فضلاً عن تآلف القلوب وتراحمها بين الأسر، عند تبادل الأطباق ومشاركتهم في تذوقها، هذه الصورة التي تعزز قيمة وروحانية هذا الشهر الفضيل الذي جاء ليوحد القلوب ويخلق نوعاً من الألفة والمحبة بين الناس.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا