• الاثنين 03 جمادى الآخرة 1439هـ - 19 فبراير 2018م

استراحة رمضانية.. يتتبع صور المثقف منذ ما قبل الاسلام

محمد رسول يرصد التحولات في الدور المعرفي للمثقف في التراث

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 20 يوليو 2013

دبي (الاتحاد)- من أين يجد البحث حول مفهوم أو مفاهيم ناجزة تتعلق ومستقرة بـ«المثقف» في تراث الثقافة العربية والإسلامية مشروعيته أصلا إذا كان هذا المفهوم لم ينشأ على نحو فاعل في الثقافة الانسانية إجمالا إلا منذ نهاية القرن التاسع عشر؟ وذلك ما بات يُعرف بـ«قضية درايفوس»، والبيان الذي أصدره بصددها المثقف والروائي الفرنسي إيميل زولا، حيث أصبح «المثقف»، في الغرب تحديدا، مثقفا عضويا بحسب التسمية التي أطلقها أنطونيو غرامشي في «دفاتر السجن» منتصف الستينيات من القرن الماضي، ولا يكتفي بأنه صانع إبداع بل ينتقد أيضا مسارات التوجه الاجتماعي ومآلاته وممارسات السلطة ودوافعها في هذا النوع من الممارسات.

يبدو هذا التساؤل تعسفيا كثيرا بحق الفكرة الجامعة التي يدور حولها كتاب «صورة المثقف في التراث العربي» الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، إذ أن المعنى المقصود بـ«صورة المثقف» هنا هي تمثلات المثقف أو تجلياته في مواقف بعينها بناء على مجمل تلك الشروط التي وضعتها الثقافات والأفكار والأطروحات الحديثة في صدد تعريف المثقف وتوصيفه وتوصيف دوره الاجتماعي والسياسي وجملة علاقاته الإشكالية بالسلطة من جهة وبـ«ضميره» المعرفي من جهة أخرى إذا جاز التوصيف.

وعند محمد رسول أن المثقف، بناء على ممارساته الثقافية والاجتماعية والسياسية، من الممكن القول بان ظهوره سابق على الإسلام في أربعة أحوال أو طبقات: الكتّاب والخطباء والشعراء والرواة، ثم التحولات التي شهدها دور المثقف في مجتمعاته مع ظهور الإسلام والقرون التي تلته وصولا إلى فهم متبلور لما يصطلح عليه محمد رسول بـ «المثقف الديني»، فضلا عن إقراره بوجود «نُخَب مثقفة في المجتمع الاسلامي الناشئ وخلق أنماط من المثقفين العضويين في المجتمع الجديد الذين كان لهم دورهم الفاعل في بناء الحراك الفكري والثقافي والسياسي والحضاري الاسلامي».

يجيء الكتاب في خمسة فصول، وفي الأول منها: «المثقفون العرب قبل الإسلام» يبرهن الكاتب على أن الانتقال بمعنى كلمة «مثقف» من ما قبل الاسلام إلى ما بعده هي الانتقال بالفعل الثقافي نفسه من المادي المحسوس، كتثقيف الرماح والسيوف وتراكم الخبرات المعرفية في هذا المجال إلى، الفعل الثقافي المعرفي اللامحسوس، أي تهذيب النفوس والعقول بالتوازي مع سرعة الفهم والإدراك والفطنة معا.

لكن ما يلاحظه المؤلف هنا هو أن الدور المعرفي للمثقف كان الدور الأساسي للمثقف المعلِّم أو المربي أو المنشئ إذ يقوم بنقل ما يتوفر لديه من معارف إلى آخرين من أجيال ناشئة أو سواها وخاصة في صدر الإسلام، غير أنها لم تكن الصورة الوحيدة التي تجلى من خلالها دور المثقف منذ ما قبل الإسلام وحتى هذا العهد، حيث بقي الشعراء والكتّاب والرواة في عصر لم يكن قد بلغته بعد فكرة التدوين. أضف إلى ذلك المثقف الخطيب الذي قام اختلف دوره من ما قبل الاسلام عندما تحدد في الحضّ على القتال والغزو والمفاخرة بقومه وسوى ذلك من أدوات الدور «الإعلامي» بالمعنى الحديث للكلمة.

في الفصل الثاني للكتاب يطرح محمد رسول السؤال: من هم المثقفون في «القرآن»؟ فيتتبع الصور المتعددة لكلمة ثقف كما جاءت في النص القرآني، فيلاحظ ان كل تلك الصور للمثقف التي كانت موجودة سابقا قد تلاشت لصالح وجود ما يسميه «الطائفة المتفقهة» والذين هم العلماء الراسخون في العلم والذين قُدِّر لهم أن يكونوا «نخبة» من الناس الذين يقترن دورهم الاجتماعي بالعلم وحيازته وتداوله، فضلا عن أن تفسير القرآن قد جعلهم في مراتب: أولو العمل، والعالمين، والراسخين في العلم، والطائفة المتفقهة، والعلماء، والذين أوتوا العلم.

وفي الفصلين الثالث والرابع يناقش المؤلف «الدور النبوي في بناء النخب الإسلامية المثقفة» و»المثقف العضوي في المجتمع الاسلامي»، فتناول هنا الجهود التي بُذلت من أجل تهيئة بيئة اجتماعية حاضنة للعلم والمعرفة في المجتمعات الاسلامية وكذلك في إعداد نُخب مميزة من المعلمين والدعاة إلى المعرفة، ودور الفقهاء الذي يمارسونه انطلاقا من المساجد في هذه التنشئة الجديدة وما تطلبه هذه الدور من ضرورة إجراء تحولات عميقة في الولاءات لدى المعلّمين والمتعلمين والمستهدَفين على حدّ سواء، في حين بدأ عصر التدوين والكتابة وظهور المخطوطات وما تركته الصراعات السياسية الطاحنة من مجموعات مختلفة من المثقفين الذين احدثت هذه الصراعات تبدلا في أفكارهم وانحيازهم ما أدى في آخر الأمر إلى ظهور الفِرَق في المجتمعات الاسلامية وهي التي أسست لها بالفعل طروحات المثقفين العضويين.

وبحسب الفصل الأخير من الكتاب «المثقف الديني في المجتمع العربي»، فإن ملامح الدور الحديث للمثقف العضوي قد ظهرت بحسب الكاتب في صورة المثقف الديني عندما وقف في وجه جَوْر السلطان وفي مواجهة الجهل والتخلف والابتزاز السياسي وما تعرض له من حصار في لقمة عيشه بهدف تغيير مواقفه ثم قناعاته وإجراء تحويل إلى الوراء في دوره على النطاق الاجتماعي. ويناقض المؤلف الصورة لدى عدد من المثقفين العرب المعاصرين من طراز محمد عابد الجابري وعلي أومليل وعبد العزيز البدري وسواهم من المثقفين العرب.

غير أن محمد رسول يخلص إلى أنْ يرى بأن المثقف الديني قد عاد إلى الظهور مرة أخرى في المجتمعات العربية الحديثة مع بروز التيارات الدينية خلال السنوات الثلاثين الماضية «الذي يعيد بناء المعرفة الدينية المنظمة بالانطلاق من منظومتها المرجعية ويتوسل منهجها الإيماني والعقلي والتجريبي. لذلك يمكن القول بان كل المشتغلين في الحقل الديني من الذين ينتجون المعارف الدينية هم مثقفون دينيون».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا