• الثلاثاء 06 رمضان 1439هـ - 22 مايو 2018م

ُتسائل الماضي وتستعيد أعباء الذاكرة

بنجلاديش: احتجاجات تهدد الاستقرار

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 20 يوليو 2013

سعد حمادي

دكا

تواصلت الاحتجاجات في بنجلاديش بعد إصدار محكمة تنظر في جرائم الحرب التي ارتكبت خلال حرب الاستقلال في عام 1971 لحكم يقضي بالسجن لمدة 90 سنة على أحد القياديين الإسلاميين لاقترافه جرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي أثار مخاوف حول مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد. وخلال المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين سقط أربعة قتلى من بينهم طفل وجرح عدد آخر عندما هاجم مؤيدو «غلام عزام»، الرئيس السابق لحزب «الجماعة الإسلامية»، الشرطة وأضرموا النيران في الحافلات والشاحنات ما دفع الشرطة إلى إطلاق الرصاص الحي. يُذكر أن بنجلاديش التي تعادل مساحتها ولاية نيويورك الأميركية يصل عدد سكانها إلى 150 مليون نسمة يشكل المسلمون غالبيتهم الساحقة. ولكن على رغم ذلك تتوفر بنجلاديش على دستور يعرف البلد كجمهورية علمانية ديمقراطية. ومع أنها أسست في البداية على مبادئ علمانية صريحة، ولكن على مدار السنوات السابقة التي أعقبت الاستقلال تأرجحت بنجلاديش بين حظر الأنشطة السياسية للتنظيمات الإسلامية وبين تشجيع متزايد للأسلمة. هذا وما زالت الجماعة الإسلامية التي عارضت الاستقلال، ويخضع عدد من قيادييها لمحاكمات، تتمتع بنفوذ داخل بعض فئات المجتمع البنغالي، ولاسيما بين القرويين وسكان الأرياف. وتأتي المواجهات الأخيرة التي تشهدها البلاد وحالة الاضطراب التي دخلتها على خلفية المحكمة الخاصة التي أقيمت في عام 2010 للنظر في تهم ارتكاب جرائم وانتهاك حقوق الإنسان إبان حرب الاستقلال ضد باكستان.

وفيما تقول الحكومة إن ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شخص سقطوا خلال تلك الحرب المريرة تشير التقديرات المستقلة إلى أن العدد يتراوح بين 300 ألف و500 ألف قتيل سقط معظمهم على أيدي المليشيات الإسلامية الموالية حينها لباكستان، ولذا قامت الحكومة البنغالية برئاسة شيخة حسينة واجد التي تنتمي إلى «عصبة عوامي»، الحزب الحاكم، باعتقال عدد من القادة الإسلاميين الذين يعتقد أن لهم دوراً في الأحداث التي جرت خلال حرب الاستقلال، كما أسست محكمة خاصة للنظر في قضايا جرائم الحرب. ولغاية اليوم أصدرت المحكمة أحكاماً على 12 متهماً، ثلاثة منهم صدر بحقهم حكم الإعدام، فيما أدانت المحكمة «غلام عزام» بتهم عديدة بلغت 61 تهمة تشمل القتل والتحريض والتواطؤ لارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ولكن المحكمة امتنعت عن إصدار حكم بالإعدام ضده بالنظر إلى سنه المتقدمة. وقد أثار هذا الحكم غضب المؤيدين والمعارضين على حد سواء، فمن جهة دعت الجماعة الإسلامية إلى تنظيم إضراب عام يستمر لبضعة أيام، مع توقع المراقبين استمرار الإضراب لأيام أخرى في ظل الأحكام الجديدة التي تستعد المحكمة لإصدارها. ومن جهة أخرى هناك المعارضون الذين يقول عنهم «شانتانو ماجومدر»، أستاذ العلوم السياسية بجامعة دكا، إنهم يتشكلون من «القوى العلمانية التي لم يعجبها قرار المحكمة الصادر بحق غلام عزام لأنه في نظرهم رمز للقوى المناهضة لبنجلاديش ومتآمر ضدها، وهو ما لا ينسجم وانتظارات الناس التي حاربت بضراوة لنيل الاستقلال وخوض معارك التحرير».

وليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها الاحتجاجات إلى العنف، حيث نزل العديد من الشباب العلماني إلى الشارع في فبراير الماضي للمطالبة بتوقيع عقوبة الإعدام على جميع المتهمين في جرائم ضد الإنسانية بعد صدور الأحكام. وهم اليوم يعاودون الخروج إلى الشوارع وتحديداً إلى تقاطع «شاهباغ» وسط العاصمة. وعن مطالب الشباب المحتج يقول «عمار ساركار» أحد النشطاء: «نحن نرفض الأحكام الصادرة عن المحكمة المختصة في جرائم الحرب». لكن بالإضافة إلى تغليظ الأحكام ضد قيادات إسلامية عارضت استقلال البلد، يطالب الشباب أيضاً بحظر النشاط السياسي للجماعة الإسلامية ومقاطعة الهيئات والأنشطة التي تقوم بها، ويشار إلى أن الجماعة الإسلامية وحتى بدون اللغط الذي أثارته محاكمة قيادييها بدأت تفقد الكثير من رصيدها الشعبي في السنوات الأخيرة بسبب تورط عدد من وزرائها في فضائح فساد، ورفضها دعوات المعارضة بتشكيل حكومة مؤقتة تشرف على تنظيم الانتخابات المقبلة. وهذه الاضطرابات تثير مخاوف المراقبين من تراجع المكاسب الديمقراطية التي تحققت في البلاد على مدى السنوات الماضية، فالاحتجاجات التي شلت البلد أكثر من مرة أضرت بصناعة النسيج التي لم تتعاف من جملة كوارث لحقت بها، حيث تقدر خسائر بنجلاديش التي تعد أحد أكبر مصدري الملابس في العالم للأسواق الغربية حوالي 500 مليون دولار لتراجع طلبات الهند فقط خلال الأسابيع القليلة الماضية بسبب حالة الشلل التي عمت البلاد عقب الاحتجاجات والمظاهرات. ولم يكن مستغرباً أن تعبر «ويندي شيرمان»، نائبة وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية، عن قلقها من حالات الشلل التي تصيب البلاد جراء الاضطرابات السياسية قائلة «إني قلقة بشأن موجة العنف التي توقف الحياة في مدينة مثل دكا يعيش فيها الملايين من الناس».

وفي المقابل انتقدت الجماعة الإسلامية المحكمة الخاصة لفشلها في الالتزام بالمعايير الدولية في المقاضاة، معتبرة أن إجراءاتها ليست سوى وسيلة لاستهداف المعارضين السياسيين بدل إحقاق العدالة! ومع أن الحكومة تنفي هذه التهم فإن ثمانية من بين المتهمين العشرة الذين أدانتهم المحكمة ينتمون إلى حزب الجماعة الإسلامية وحليفها في المعارضة الحزب القومي البنغالي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان

ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا